مرثية السند
- الكاتب ماجد الفاعوري
- أدب وشعر
- الزيارات: 243

مَاذَا أَقُولُ لِمَنْ تَهَاوَى بَعْدَهُ
سَنَدُ الزَّمَانِ وَضَاقَ بِي إِقْدَامِي؟
مَاذَا أَقُولُ لِمَنْ أَرَادَ لِصَوْتِهِ
أَنْ يَسْتَرِدَّ مِنَ الغِيَابِ كَلَامِي؟
مَضَيْتَ وَخَلَّفْتَ المَكَانَ مُكَدَّرًا
فَكَأَنَّمَا قَدْ غَابَ عَنْهُ نِظَامِي
وَتَرَكْتَ كُرْسِيَّكَ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ
مِنْ أَنْ يَرُدَّ إِلَيَّ وَهْمَ مُقَامِي
أَمْشِي إِلَى بَابِ الدِّيَارِ فَأَنْثَنِي
وَيَرُدُّنِي صَمْتُ الجُدْرَانِ لِهَامِي
وَأَرَى مَكَانَكَ فِي المَجَالِ كَأَنَّهُ
جُرْحٌ يُطِلُّ عَلَى بَقَايَا أَيَّامِي
وَإِذَا دَعَانِي الفَرْحُ فِي أَيَّامِنَا
نَادَيْتُكَ المَخْبُوءَ خَلْفَ ابْتِسَامِي
فَأُرِيدُ أَنْ أَحْكِي لَكَ مَا قَدْ جَرَى
فَأَتَى الغِيَابُ وَأَسْكَتَ إِقْدَامِي
كُنْتَ الَّذِي إِنْ مَسَّنِي خَوْفُ الطَّرِيقِ
رَأَيْتُ فِي كَفَّيْهِ بَدْءَ أَمَانِي
وَإِذَا تَعَثَّرَ فِي الحَيَاةِ خُطَايَ
كَانَتْ خُطَاكَ تُقِيمُ لِي أَقْدَامِي
وَإِذَا انْحَنَى ظَهْرُ السِّنِينَ بِوَجْهِهَا
كَانَتْ كَتِفَاكَ مَأْمَنَ الأَيَّامِ
مَا كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ ظَهْرَكَ وَحْدَهُ
سَيَكُونُ يَوْمًا آخِرَ الإِقْدَامِ
حَتَّى أَتَتْ تِلْكَ اللَّحَظَةُ وَانْطَفَتْ
عَيْنَاكَ وَانْكَسَرَتْ عَلَيَّ عَزَائِمِي
فَأَفَقْتُ بَعْدَكَ وَالحَيَاةُ غَرِيبَةٌ
وَكَأَنَّنِي أَصْحُو بِغَيْرِ غَمَامِي
وَأَرَدْتُ أَنْ أَبْكِي فَخَانَتْنِي اللُّغَى
فَالصَّمْتُ أَبْلَغُ مِنْ جَمِيعِ كَلَامِي
وَلَقَدْ بَكَيْتُكَ، لَا لِأَنَّكَ رَاحِلٌ
بَلْ لِأَنَّكَ لَنْ تَرَى أَعْوَامِي
لَنْ تَرَى مَا صِرْتُهُ بَعْدَكَ، وَلَنْ
تَشْهَدْ خُطَايَ وَفَرْحَتِي وَمَقَامِي
كَمْ كُنْتُ أَحْلُمُ أَنْ أَجِيءَكَ مُقْبِلًا
فَأَقُولَ: هَا أَنَا... فَتَرْفَعَ هَامِي
وَأُرِيكَ مَا صَنَعَتْ يَدَايَ، فَتَبْتَسِمْ
وَأَرَى رِضَاكَ أَعَزَّ مِنْ إِكْرَامِي
لَكِنَّنِي جِئْتُ اليَوْمَ أَحْمِلُ خَبَرْ
نَفْسِي، وَأَبْحَثُ فِي الثَّرَى عَنْ خُطَامِي
أَبْحَثُ عَنِ اليَدِ الَّتِي لَمْ تَنْتَهِ
مِنْ رَبْتَةٍ كَانَتْ تُرَتِّبُ آلامِي
أَبْحَثُ عَنِ الصَّوْتِ الَّذِي كُنْتُ إِذَا
ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا أُسَمِّي حِمَامِي
فَإِذَا بِقَبْرِكَ صَامِتٌ، وَكَأَنَّهُ
يَحْفَظُ صَوْتَكَ وَاسْتَحَلَّ صِيَامِي
يَا مَنْ تَرَكْتَ بِدَاخِلِي مِنْكَ الَّذِي
لَا يَسْتَطِيعُ المَوْتُ مَحْوَ مَعَالِمِي
إِنْ غَابَ وَجْهُكَ عَنْ عُيُونِي لَمْ يَغِبْ
مِنِّي الَّذِي أَوْدَعْتَهُ مِنْ قِيَمِي
سَأَظَلُّ أَحْمِلُ مِنْكَ مَا أَحْيَيْتَهُ
فِيَّ، وَأَصُونُ العَهْدَ طُولَ مُقَامِي
فَإِذَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ فِي مَنْ بَعْدَهُ
فَأَنَا بَقِيَّتُهُ... وَذَاكَ كَلَامِي
هَذَا الَّذِي أَبْقَيْتَهُ لِيَ لَمْ يَزَلْ
حَيًّا بِدَمِي، وَمُقِيمًا فِي عِظَامِي
وَإِذَا انْكَسَرْتُ فَفِي انْكِسَارِي شَامِخٌ
يَبْقَى، وَيَحْرُسُ فِيَّ اسْمَكَ السَّامِي
فَارْقُدْ بِهَدْأَةِ مَنْ أَتَمَّ رِسَالَةً
وَتَرَكْتَ فِي أَحَدِ ابْنِكَ اسْتِمْرَارِي
سَأَمُرُّ مِنْ بَابِ الدِّيَارِ وَرُبَّمَا
تَبْكِي الجُدْرَانُ، وَأَسْكُتُ أَنَا...
فَإِذَا سَأَلْتَ الرِّيحُ عَنِّي، قُلْ لَهَا:
مَا زَالَ يَحْمِلُ فِي خُطَاهُ سَلَامِي
مَا زَالَ يَحْمِلُنِي... وَإِنْ غَابَتْ يَدِي
مَا زَالَ ذِكْرِي فِي فَمِ ابْنِي مُقَامِي
