
أَبْلِغْ مَهَاةَ الحَيِّ أَنَّ فُؤَادِيَا *أَمْسَى بِوَجْدِ المَحْوِ بَعْدَكِ صَادِيَا
رَمَتِ الفَوَاخِتُ فِي الحِمَى طَيْرَ الهَوَى *فَأَقَامَ يَبْكِي فِي الغِيَابِ المَاضِيَا
كَالمِسْكِ خَدُّكِ فِي النَّوَاظِرِ إِذْ بَدَا *فَأَعَادَ لِي زَمَنَ الوِصَالِ هَنَائِيَا
لَكِنْ فِرَاقُكِ كَالفِرَاقِ ل السلط *إِذْ أَصْبَحَتْ فِيهَا الدِّيَارُ خَوَالِيَا
تَبْكِي غِيَابَ أَنِيسِهَا وَأَحِبَّةٍ * فَغَدَا فُؤَادِي كدمشق بَاكِيَا
وَالشَّوْقُ بَعْدَكِ كَالحَرِيقِ بِبَيْرُوتٍ * يَجْتَاحُ صَدْرِيَ، لَا يُقِرُّ رَجَائِيَا
تِلْكَ الَّتِي صَرَخَتْ لِغَيْبَةِ أَهْلِهَا *فَغَدَا صُرَاخِي فِي النَّوَى مُتَسَامِيَا
مَا زَالَ طَيْفُكِ مِثْلَ بَغْدَادٍ إِذَا * عَبَرَتْ بِهَا أَيَّامُ خِزْيٍ دَاهِيَا
وَجَعِي كَوَجَعِ الرَّافِدَيْنِ إِذَا جَفَا *عَنْهُمَا السَّقَاءُ، وَصَارَ دَمْعِيَ جَارِيَا
جَرَتِ الدُّمُوعُ عَلَى الخُدُودِ سَوَاكِبَاً * وَالشَّوْقُ بَعْدَكِ قَدْ أَصَابَ حَشَائِيَا
قَدْ كُنْتِ أُنْسَ مَدَائِنِي وَمَلَاذَهَا * بَلْ كُنْتِ لِي الفَجْرَ النَّدِيَّ الهَادِيَا
وَأَنَا الَّذِي جَابَ البِلَادَ بِأَسْرِهَا *يَبْغِي لِقَلْبِكِ فِي الدُّنَا أَسْمَائِيَا
مَا بَالُ قَلْبِي كَالعَوَاصِمِ مُثْخَنَاً * بِالبُعْدِ؟ يَسْأَلُ عَنْ حِمَاكِ رَجَائِيَا
كَانَ الجَمَالُ بِبَطْنِ عَمَّانَ لِيَا * عَهْدَاً مَضَى.. وَاليَوْمَ أَصْبَحَ خَالِيَا!
فَأَنَا الغَرِيبُ وَصَارَ بَعْدَكِ مَنْزِلِي * كَالعَاصِمَاتِ المُرْهَقَاتِ خَوَافِيَا
يَا طِفْلَةً سَكَنَتْ خَيَالِيَ، حُسْنُهَا *كَالشَّمْسِ تُشْرِقُ فِي السَّمَاءِ طَوَاحِيَا
إِنِّي تَشَبَّهْتُ العَوَاصِمَ فِي الأَسَى * لَمَّا غَبِتِّ، وَصَارَ هَجْرُكِ قَاضِيَا
عَيْنَاكِ مِثْلَ القُدْسِ فِي لَمَعَانِهَا * أَمَّا الغِيَابُ فَقَدْ أَعَادَ بَلائِيَا
الشَّوْقُ لِلْقُبُلَاتِ مِثْلُ لَهِيبِهَا * تِلْكَ المَدَائِنُ إِذْ تَذُوقُ مَنَائِيَا
غَابَتْ عُيُونُكِ عَنْ عُيُونِي بَغْتَةً * فَأَنَا حَزِينٌ قَدْ فَقَدْتُ مَلَاذِيَا
أَنْتِ المَدَائِنُ كُلُّهَا فِي خَاطِرِي * وَفِرَاقُ حُسْنِكِ قَدْ أَذَابَ شَبَابِيَا
صَارَتْ حَيَاتِي فِي رَحِيلِكِ قِصَّةً * تَبْكِي العَوَاصِمَ وَالمَكَانَ النَّائِيَا
أَشْتَاقُ وَجْهَكِ كَاشْتِيَاقِ غَرِيبِهَا * لِبِلَادِهِ، يَرْجُو الكَرَى مُتَرَادِيَا
يَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَرَاكِ قَرِيبَةً * فَيَعُودُ نَبْضِي كَالعَوَاصِمِ صَاحِيَا؟
كَمِثْلِ بغداد فِي الصُّمُودِ حِكَايَتِي * سَأَظَلُّ أَرْجُو فِي الغَرَامِ تَلَاقِيَا
وَبِعَيْنِ كِبْرِيَائِيَ المَعْرُوفِ لِي * أَشْكُو النَّوَى، لَا أَسْتَكِينُ لِعَادِيَا
فَالحُبُّ أَنْتِ، وَأَنْتِ كُلُّ عَوَاصِمِي * فَإِلَى مَتَى أَبْقَى فِرَاقَكِ صَالِيَا؟