خرابيش جاج

خرابيش الجاج

الوزير والمواطن

كنا وإحنا صغار، إذا كتب طالب بخطٍ معفشك، كان الأستاذ يرفع الدفتر ويقول: شو خرابيش الجاج هاي؟

لم يكن يقصد الخط فقط، بل يقصد الفوضى؛ شيئًا لا يُفهم، ولا يستقيم، ولا يخضع لأي منطق

واليوم... لم تعد خرابيش الجاج على الورق، بل أصبحت في بعض مشاهد حياتنا العامة

مواطن ضاقت به الدنيا، وعجز عن دفع فاتورة الكهرباء، فارتكب مخالفة باعتدائه على خط الكهرباء. لا أحد يقول إن الخطأ يصبح صوابًا لأن صاحبه فقير، فالخطأ يبقى خطأ

لكن ما إن يُمسك به حتى تبدأ حفلة التشهير؛ يُعامل وكأنه خطر على الوطن، ويُقاد إلى التسويات، ويُطالب بدفع كل ما ترتب عليه، ثم يجد نفسه أمام القضاء، وكأن المطلوب ألا يكتفي بدفع الثمن مرة، بل أن يدفعه مرتين؛ مالًا وكرامة

وفي الجهة الأخرى...

كلما أثيرت تساؤلات في الرأي العام حول تعيينات، أو شراء خدمات، أو عقود، أو امتيازات، أو تنفيعات يُقال إنها ذهبت إلى مقربين أو أصحاب حظوة، لا يلبث أن يخرج من يتطوع للدفاع، وتبدأ بيانات الاستنكار، وكأن الخطر الحقيقي ليس فيما يُثار، بل في مجرد الحديث عنه

المواطن يحاكم لأنه أخطأ

أما المسؤول، فكثيرًا ما ينشغل البعض بمحاكمة من سأل عنه

أي ميزان هذا؟

كيف يصبح الضعيف سريع الإدانة، بينما يحتاج القوي إلى عشرات البيانات ليبقى فوق دائرة الشك؟

إذا أخطأ المواطن، قيل: ليكن عبرة

وإذا أثيرت أسئلة حول مسؤول، قيل: احفظوا هيبة المنصب

لكن هيبة الدولة لا تُصان بحماية المناصب، بل بحماية العدالة. وهيبة القانون لا تُبنى على قسوةٍ تقع على الفقير، وإنما على مساواةٍ لا تفرق بين وزيرٍ ومواطن، ولا بين صاحب نفوذ وصاحب حاجة

الدولة القوية لا تخاف من السؤال، ولا تنزعج من المحاسبة، لأن المحاسبة ليست خصومة مع أحد، بل هي صمام أمان للجميع

أما أن يبقى المواطن الحلقة الأضعف دائمًا، وأن يتحول المسؤول، كلما أثيرت حوله الأسئلة، إلى قضية يجب الدفاع عنها قبل أن تُعرف الحقيقة... فذلك هو المشهد الذي يجعلنا نتذكر عبارة أستاذنا القديمة

"شو خرابيش الجاج هاي؟"

لأن العدالة، عندما تُكتب بقلمين؛ قلمٍ غليظ للمواطن، وقلمٍ ناعم للمسؤول، لا تعود عدالة... بل تصبح خرابيش جاج.

ماجد الفاعوري

 

جميع الحقوق محفوظة ماجد الفاعوري © 2026.