
الشرق الأوسط بين حرب الممرات، سقوط المخا، امتحان بغداد، وانكشاف الجغرافيا العربية
هناك مشهد يكاد يلخص الشرق الأوسط كله في هذه اللحظة: الولايات المتحدة الأمريكية كمن يطهو جملاً على شمعة.
النار موجودة، والدخان يملأ المكان، والحرارة ترتفع، لكن السؤال الحقيقي ليس: هل سينضج الجمل؟ بل: كم سيبقى من الخيمة قبل أن تحترق؟
من واشنطن إلى طهران، ومن هرمز إلى باب المندب، ومن بغداد إلى الرياض، ومن غزة إلى بيروت، لم تعد الحرب الإيرانية ـ الأمريكية مجرد مواجهة بين دولتين. لقد تحولت إلى حرب على الممرات والموانئ والطاقة والتمويل وسلاسل الإمداد وموازين النفوذ. والأخطر أن الدول العربية أصبحت، في جزء كبير من هذه المعادلة، تتحمل كلفة الصراع الذي لم تبدأه وحدها ولم تتحكم في توقيته.
وفي الساعات الأخيرة أضيف تطور بالغ الخطورة إلى هذا المشهد: سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وتقدمهم باتجاه جزر حنيش واقترابهم من باب المندب، بالتوازي مع تصاعد الهجمات على المنشآت والمدن السعودية. رويترز أكدت السيطرة الحوثية على المخا، وأفادت بأن مقاتلين حوثيين وصلوا إلى جزر حنيش، في خطوة ترفع مستوى التهديد للممر البحري الذي يربط البحر الأحمر بقناة السويس.
هنا تبدأ القصة الحقيقية.
المخا ليست مدينة يمنية فقط
عندما تسقط المخا في حرب عادية، يكون الحديث عن مدينة وميناء وساحل.
لكن عندما تسقط المخا في أثناء حرب تدور في الوقت نفسه حول مضيق هرمز، تصبح المسألة مختلفة تمامًا.
الممر الأول هو هرمز، الذي تحاول إيران استخدامه كورقة ضغط استراتيجية، والممر الثاني هو باب المندب، الذي أصبح الحوثيون يقتربون من إحكام قبضتهم عليه.
وبينهما الخليج العربي والبحر الأحمر.
وهذا يفسر لماذا تعاملت الأسواق مع سقوط المخا باعتباره تطورًا أكبر من مجرد تحول ميداني يمني. ففي 10 سبتمبر/أيلول قفز خام برنت أكثر من 6% ليستقر عند نحو 107.63 دولارًا للبرميل، بينما تجاوز الخام الأمريكي 102 دولار، وسط القلق من اتساع الحرب البحرية وتعطل طرق الطاقة.
باب المندب ليس مجرد مضيق. إنه بوابة آسيا نحو أوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وتقدّر رويترز أن نحو 7% من إنتاج النفط العالمي يمر عبره. أما إغلاق هرمز أو اضطرابه، فيضرب شريانًا آخر من أهم شرايين الطاقة العالمية.
وهنا يظهر المعنى الأخطر: إيران لا تحتاج بالضرورة إلى السيطرة المباشرة على الممرين لكي تحول الجغرافيا إلى سلاح؛ يكفي أن يمتلك حلفاؤها القدرة على تعطيلهما أو تهديدهما.
هل ما يجري خطة أمريكية لكسر الصين؟
هذه هي الفكرة التي يجب التعامل معها بحذر.
لا يوجد حتى الآن دليل علني يثبت أن واشنطن أشعلت الحرب بهدف واحد ووحيد هو "كسر الصين". لكن من الخطأ أيضًا تجاهل البعد الصيني في المعادلة.
الصين هي المستورد الأكبر للنفط الخام في العالم، والحرب أعادت رسم خريطة الطاقة الآسيوية. وقد اضطرت مصافي صينية مستقلة إلى شراء أكثر من 20 مليون برميل من مصادر بديلة في غرب أفريقيا وكندا وكولومبيا لتعويض تراجع الإمدادات الإيرانية والروسية، بينما ظلت واردات الصين البحرية من النفط أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب.
والأهم أن رويترز كشفت عن ترتيبات مقايضة غير تقليدية بين إيران والصين تسمح لطهران بتحويل جزء من عائداتها النفطية إلى شراء سلع ومعدات صينية خارج النظام المالي التقليدي، في محاولة لتجاوز العقوبات الأمريكية.
إذن، الصين ليست خارج الحرب حتى عندما لا تقاتل فيها.
إنها تقاتل في مكان آخر: في الطاقة، وسلاسل التوريد، والخصومات النفطية، واليوان، والتجارة، والقدرة على بناء بدائل للنظام المالي الذي تهيمن عليه واشنطن.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا:
هل تسعى واشنطن إلى إنهاء الحرب سريعًا، أم إلى إعادة ترتيب السوق العالمية قبل إنهائها؟
قد تكون الإجابة: كلاهما في الوقت نفسه.
فكلما طال اضطراب هرمز وباب المندب، ارتفعت كلفة الطاقة والشحن والتأمين، وازدادت الضغوط على الاقتصادات المستوردة للطاقة، وفي المقدمة الصين وأوروبا وآسيا. لكن الولايات المتحدة نفسها ليست محصنة؛ ارتفاع النفط يرفع التضخم ويضغط على المستهلك الأمريكي، وهو ما يحول الحرب إلى عبء سياسي على إدارة الرئيس دونالد ترامب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
والخليج؟ يدفع الفاتورة مرتين
الدول الخليجية تجد نفسها في أصعب موضع في هذه الأزمة.
فهي من جهة حليفة للولايات المتحدة وتحتاج إلى المظلة الأمنية الأمريكية.
ومن جهة أخرى هي في مرمى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية والحوثية.
ومن جهة ثالثة تعتمد اقتصاداتها على تصدير الطاقة عبر الممرات التي أصبحت ساحة للحرب.
في 8 سبتمبر، هاجم الحوثيون منشآت ومدنًا في جنوب السعودية، وأعلنت السلطات السعودية إصابة 73 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، كما تعرضت منشآت تابعة لأرامكو في أبها ونجران وجازان لهجمات، إلى جانب قاعدة جوية في خميس مشيط.
ثم جاءت ضربة المخا وجزر حنيش لتضيف إلى ذلك جبهة بحرية جديدة.
ومن هنا يمكن فهم قلق الرياض الحقيقي: لم تعد المسألة حماية الحدود فحسب، بل حماية منظومة تصدير الطاقة كاملة.
وفي الوقت نفسه أصبحت طرق التصدير البديلة أكثر أهمية. فقد ارتفعت عمليات تحميل النفط من ميناء ينبع على البحر الأحمر في سبتمبر، وهو ما يوضح أن السعودية تحاول استخدام المسار الغربي كبديل استراتيجي عن هرمز.
أي أن الحرب تدفع دول الخليج إلى إعادة بناء جغرافيا طاقتها تحت النار.
الأردن: لم تعد القواعد الأمريكية "حجة واهية"
أما الأردن، فقد خرج من منطقة الاحتمال إلى منطقة الاستهداف المباشر.
التقارير الأخيرة تحدثت عن هجمات إيرانية على قواعد أمريكية في الأردن، وأفادت رويترز بأن عدة طائرات أمريكية تعرضت لأضرار في قاعدة موفق السلطي الجوية، بينها طائرة A-10 وطائرات F-15.
وتشير وكالة أسوشييتد برس إلى أن الأردن يستضيف قوات أمريكية في عدد من المنشآت العسكرية، وأن قاعدة موفق السلطي أصبحت إحدى النقاط المهمة في العمليات الأمريكية المتعلقة بالحرب مع إيران.
وهنا يجب التفريق بين أمرين:
استهداف الأردن هو استهداف لوجود أمريكي داخل الأردن، لكنه ليس بالضرورة استهدافًا للأردن كدولة في ذاته.
إلا أن النتيجة السياسية واحدة: عمان تجد نفسها في مرمى النار بسبب موقعها وتحالفاتها، وهو النموذج نفسه الذي يهدد كل دولة عربية تستضيف قوات أو منشآت مرتبطة بالقوات الأمريكية.
الكويت والبحرين: الحرب لم تعد إيرانية ـ أمريكية فقط
الهجمات الإيرانية على مواقع مرتبطة بالولايات المتحدة في الكويت والبحرين وغيرها من دول الخليج حولت الحرب من مواجهة ثنائية إلى شبكة من الجبهات العربية. تقارير إقليمية تحدثت عن اعتراض مسيرات إيرانية في سماء دول خليجية، وعن توتر متزايد حول أمن المنشآت والقواعد والموانئ.
وهذا هو التحول الأخطر.
إيران عندما تضرب منشأة أمريكية في دولة عربية لا تخوض فقط حربًا مع واشنطن؛ إنها تضع الدولة المضيفة أمام خيار صعب:
إما أن تقبل بأن تصبح أراضيها ساحة للمواجهة،
أو أن تدخل في نزاع أمني مباشر مع إيران لإبعاد الحرب عن أراضيها.
وهذا بالضبط ما يجعل الجبهة العربية هي الحلقة الأضعف في هذه الحرب.
العراق: الكارثة التي تتحرك على مسارين
العراق يبدو اليوم كأنه يقف على خط صدع.
من جهة، بغداد مرتبطة سياسيًا واقتصاديًا بإيران.
ومن جهة أخرى، الاقتصاد العراقي مرتبط بالنظام المالي الدولي الذي تتمتع الولايات المتحدة داخله بقوة استثنائية.
وقد اتجهت واشنطن في 2026 إلى استخدام العقوبات كأداة ضغط على شبكات مالية وكيانات وشخصيات مرتبطة بإيران ووكلائها، وشملت إجراءات حديثة كيانات في العراق ولبنان والإمارات وتركيا. كما وصفت رويترز العراق بأنه قد يصبح نموذجًا لكيفية استخدام النفوذ المالي الأمريكي للضغط على الشركاء التجاريين لإيران.
وهنا تظهر المفارقة العراقية:
العراق يستطيع أن يناور سياسيًا، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يناور ماليًا.
أما قضية النفط العراقي ورسوم عبور هرمز بمقدار 20 دولارًا للبرميل، فقد تحولت خلال 9 سبتمبر إلى مثال صارخ على فوضى المعلومات في الحرب.
نائب عراقي قال إن إيران تحصل على 20 دولارًا عن كل برميل عراقي يعبر هرمز، لكن الخبير النفطي نبيل المرسومي شكك علنًا في صحة هذه الرواية، ثم تراجع النائب نفسه وقال إن العراق لا يدفع رسومًا لإيران.
وفي المقابل ظهرت تقارير إعلامية أخرى نسبت إلى المرسومي نفسه تقديرات مختلفة تمامًا بشأن رسوم قد تصل إلى 20 دولارًا. ولذلك لا يجوز تقديم رقم الـ20 دولارًا كحقيقة محسومة؛ الموجود حاليًا هو تضارب واضح في التصريحات والتقديرات، يحتاج إلى مستندات رسمية أو بيانات من سومو والجهات الإيرانية المختصة لحسمه.
لكن حتى لو أسقطنا رقم الـ20 دولارًا، تبقى الكارثة الاقتصادية حقيقية.
في 9 سبتمبر تعرضت ناقلة تحمل نحو مليوني برميل من زيت الوقود العراقي، ومستأجرة لصالح شركة ناقلات النفط العراقية، لهجوم بطائرة مسيرة داخل المياه العراقية، ما تسبب بحريق وأضرار محدودة من دون إصابات.
وهذه ليست ضربة رمزية.
إنها ضربة لمبدأ أساسي في الاقتصاد العراقي: أن النفط هو مصدر الدولة الرئيسي للدخل، وأن استمرار خروجه من الخليج مسألة حياة أو موت للمالية العامة العراقية.
30 سبتمبر: هل هو يوم الحسم؟
هنا ندخل أخطر ملفات المنطقة.
الحكومة العراقية أعلنت موعد 30 سبتمبر موعدًا لإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، وربطت به مسار وضع السلاح تحت سلطة الدولة.
لكن المشهد أكثر تعقيدًا من عبارة "موعد نهائي".
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يواجه فصائل قوية ترفض تسليم السلاح أو حل بنيتها العسكرية، بينما تتمسك واشنطن بضرورة إنهاء وضع الجماعات المسلحة خارج سلطة الدولة. رويترز وصفت القضية بأنها اختبار لمصداقية الحكومة العراقية، خصوصًا أن بعض الفصائل ترفض المهلة أصلًا.
والأهم أن مصادر عراقية أخرى أشارت إلى اختلاف في تفسير التاريخ نفسه: هل 30 سبتمبر هو موعد نهائي للتسليم، أم تاريخ تبدأ بعده ترتيبات ومفاوضات جديدة؟
هذه ليست لعبة لغوية.
إنها جوهر الأزمة.
فواشنطن تريد نتيجة ملموسة.
وبغداد تحاول شراء الوقت.
والفصائل الموالية لإيران تريد أن يبقى السلاح موجودًا، حتى لو تغير الغلاف القانوني الذي يحتضنه.
ولهذا فإن القول إن "الملف حُسم" سيكون سابقًا لأوانه.
الأصح أن نقول إن 30 سبتمبر أصبح ساعة سياسية عراقية.
وعند دقاتها سيظهر السؤال الحقيقي:
هل تستطيع الدولة العراقية أن تفرض احتكارها للسلاح؟
أم سينتهي الأمر بتسوية تحفظ السلاح وتغير فقط مكان تخزينه أو طريقة إدارته؟
بعض التحليلات العراقية والأمريكية تشير بالفعل إلى أن النتيجة الأكثر ترجيحًا قد تكون تسوية جزئية وملتبسة بدلًا من نزع شامل ونهائي للسلاح.
هل تحرير صنعاء مرتبط بتحرير بغداد؟
لا، عسكريًا لا يوجد ارتباط مباشر.
صنعاء لا تسقط لأن بغداد تغيرت، وبغداد لا تتحرر لأن صنعاء تحررت.
لكن استراتيجيًا الملفان مرتبطان.
لماذا؟
لأن إيران بنت منذ سنوات شبكة نفوذ لا تعتمد على جبهة واحدة.
العراق يمنحها عمقًا بريًا وسياسيًا واقتصاديًا.
اليمن يمنحها موقعًا على البحر الأحمر وباب المندب.
لبنان يمنحها ورقة ضغط على إسرائيل والبحر المتوسط.
وسوريا كانت حلقة وصل بين هذه الدوائر.
ولهذا، عندما تتراجع إحدى الحلقات أو تتقدم حلقة أخرى، يتغير ميزان الضغط كله.
الحوثيون، بعد سقوط المخا، أصبحوا أكثر من مجرد جماعة تقاتل من أجل صنعاء.
إنهم يتحولون إلى أداة ضغط على التجارة العالمية.
والفصائل العراقية، مهما كان حجم تراجعها، تظل ورقة ضغط على الوجود الأمريكي وعلى أمن الخليج.
إذن الرابط بين صنعاء وبغداد ليس "تحريرًا مقابل تحرير"، وإنما صراع على وظيفة الجغرافيا العربية داخل الحرب الإيرانية ـ الأمريكية.
غزة ولبنان: الجبهة التي لا تستطيع إسرائيل إغلاقها
في غزة، ورغم وجود ترتيبات لوقف إطلاق النار منذ 2025، استمرت الضربات الإسرائيلية وسقط قتلى مدنيون خلال الأيام الأخيرة، ما يعني أن الجبهة لم تتحول إلى سلام حقيقي.
وفي لبنان، يستمر الاحتكاك بين إسرائيل وحزب الله رغم وقف إطلاق النار، مع بقاء الضربات الإسرائيلية والردود المتقطعة من الحزب، بما في ذلك القتال حول مواقع استراتيجية في الجنوب.
وهذا يجعل الشرق الأوسط أمام ثلاثة أنماط مختلفة من الحرب:
غزة: حرب استنزاف تحت سقف سياسي متحرك.
لبنان: حرب مواقع ورسائل وردع متبادل قابل للانفجار.
اليمن: حرب ممرات بحرية تتداخل مباشرة مع حرب الطاقة.
العراق: حرب قرار وسيادة وسلاح وتمويل.
وإيران: حرب مباشرة مع الولايات المتحدة على مستوى الدولة.
هذه الجبهات ليست متطابقة، لكنها تتحرك في مسرح استراتيجي واحد.
والمفاجأة: الجزائر والإمارات تدخلان على خط الانقسام العربي
في 10 سبتمبر، أعلنت الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، متهمة أبوظبي بأفعال "استفزازية وعدائية"، بينما أعربت الإمارات عن أملها في ألا يستمر القطيعة. ولم تُعلن الجزائر حادثة واحدة محددة باعتبارها السبب المباشر، لكن الخلافات بين الطرفين ترتبط منذ فترة بملفات مثل الصحراء الغربية، والعلاقات مع إسرائيل، والنفوذ في الساحل الأفريقي.
هذه الواقعة قد تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن الحرب الأمريكية ـ الإيرانية.
لكنها ليست هامشية.
لأن أخطر شيء يمكن أن يحدث في نظام إقليمي مشتعل ليس فقط اتساع الحرب العسكرية، بل تفتت المواقف العربية سياسيًا.
فعندما يتزامن الاستنزاف في الخليج، والحرب في اليمن، وأزمة العراق، واضطراب لبنان وغزة، مع انقسام عربي حول تعريف التحالفات والنفوذ، يصبح من الصعب تكوين جبهة عربية متماسكة.
وهذا هو الفراغ الذي تعيش عليه القوى الإقليمية والدولية.
من يطبخ من؟
واشنطن تريد خنق إيران اقتصاديًا وعسكريًا وإجبارها على فتح الممرات والوصول إلى تسوية.
إيران تريد إثبات أن خنقها سيكلف العالم ثمنًا باهظًا، وأن لديها القدرة على تحويل الخليج والبحر الأحمر إلى ساحات ضغط.
إسرائيل تريد تحييد أكبر عدد ممكن من الجبهات المحيطة بها.
الحوثيون يريدون تحويل المكاسب العسكرية إلى موقع تفاوضي إقليمي.
الفصائل العراقية تريد الحفاظ على السلاح والنفوذ.
والخليج يريد النجاة من حرب لم يختر توقيتها.
أما الصين، فهي تحاول ألا تسمح للحرب بأن تتحول إلى خسارة استراتيجية كبرى لها في الطاقة والتجارة، في الوقت الذي تحاول فيه الاحتفاظ بعلاقاتها مع إيران والاستفادة من اضطراب النظام القديم.
وهنا تصل المنطقة إلى المفارقة الكبرى:
الولايات المتحدة ربما بدأت النار لتغيير قواعد اللعبة، لكنها لم تعد تملك وحدها التحكم في اتجاه اللهب.
المخا ليست مجرد مدينة سقطت.
وهرمز ليس مجرد مضيق مضطرب.
وبغداد ليست مجرد عاصمة تتفاوض على مهلة.
وصنعاء ليست مجرد عاصمة يسيطر عليها الحوثيون.
والخليج ليس مجرد منطقة نفط.
كل هذه النقاط أصبحت أجزاء من معركة واحدة على من يملك مفاتيح الحركة في الشرق الأوسط: من يمرر النفط؟ من يحمي الموانئ؟ من يمتلك السلاح؟ من يقرر شكل الدولة؟ ومن يملك القدرة على إغلاق الطريق بدلًا من فتحه؟
ولهذا ربما يكون أخطر سيناريو ليس انتصار إيران ولا انتصار أمريكا.
الأخطر هو حرب طويلة لا ينتصر فيها أحد، ويخسر فيها الجميع.
حرب تجعل العرب يدفعون ثمن الطاقة والتأمين والدمار، وتجعل الأمريكيين يدفعون ثمن الانتشار والذخائر والتضخم، وتجعل إيران تدفع ثمن العقوبات والحصار، وتجعل الصين تدفع ثمن اضطراب الإمدادات.
وعندها فقط يصبح عنوان هذه المرحلة مفهومًا بالكامل:
الولايات المتحدة الأمريكية كمن يطهو جملاً على شمعة؛ النار مشتعلة، لكنها قد تحرق المطبخ قبل أن ينضج الجمل.