
كنتُ أتمنى لو كنتُ مزارعًا في حدائق القصر الملكي لا لأن المهنة أقل شأنًا ولا لأن الزرع أيسر من الكلمة بل
لأن المزارع يعمل بصمت ويُثمِر دون أن يُسأل عن رأيه ودون أن يُحاصر بتوقعات التصفيق أو يُستدعى عند
الحاجة ثم يُنسى بعد انقضاء الضوء
المزارع يرى المواسم كما هي قاسية حينًا وكريمة حينًا آخر ولا يطالب بغير الماء والوقت أما الكاتب والإعلامي
فيعيش على هامش المواسم يُستدعى حين يشتد الضجيج ويُغيب حين يُراد الهدوء
في بلدٍ تُسلَّط فيه الأضواء على أسماء بعينها وتُعاد تدوير الوجوه ذاتها يصبح الكلام امتيازًا لا حقًا ويغدو القرب
من المنابر أثمن من صدق الفكرة
هناك من يُصفَّق لهم لأنهم حضروا اللقاء وهناك من غابوا لأنهم لم يُدعَوا أصلًا
لا أحد يسأل عن المزارع الذي يسقي الورد في الصباح الباكر ولا عن الموظف الذي يحمل همّ أسرته ولا
عن الشاب الذي ينتظر فرصة لا واسطة
لقاءات القصر في وجدان المواطن الأردني ليست مناسبة بروتوكولية ولا صورة عابرة بل هي أمل قديم بأن
تكون الأبواب أقرب وأن تُسمَع الحكايات الصغيرة التي لا تصل إلى الشاشات
يتمنى المواطن لو أن القصر يسمع أنين التفاصيل أن يسمع عن مدرسة بلا تدفئة وعن طريق بلا إنارة وعن
إعلامي صادق ضاق به الهامش لأن الصدق لا يرفع الصوت
يتمنى لو أن اللقاء لا يكون مكافأة لمن أحسن الوقوف أمام الكاميرا بل نافذة لمن لم يجد طريقًا للكلام
الأمنيات في هذا البلد بسيطة ومع ذلك تبدو بعيدة
أن تُلبّى حاجة المحتاج قبل أن تُلبّى رغبة المتصدر
أن يُنظر إلى الناس بقدر وجعهم لا بقدر قربهم
أن يكون الضوء وسيلة لكشف الحقيقة لا لتلميعها
كنت أتمنى لو كنت مزارعًا في حدائق القصر الملكي أزرع شجرة وأمضي
لأن الشجرة ستكبر ولو بعد حين
أما الكلمة إن لم تجد من يصونها فقد تموت واقفة
ما نريده ليس إقصاء أحد ولا كسر منبر بل عدلٌ في توزيع السمع والبصر
أن يشعر الأردني أن الطريق إلى القصر ليس حكرًا على الأسماء بل مفتوحٌ للقلوب
وأن الكرامة ليست صورةً في لقاء بل سياسة تُرى في حياة الناس