
ماجد الفاعوري
من وسط خيام النزوح،
حيث تتحول البيوت إلى ذكريات، والأوطان إلى خرائط ممزقة، والإنسان إلى رقم في نشرات الأخبار، يبرز سؤال لا يجوز أن نخشى طرحه: ما الذي يمكن أن يحدث للقضية الفلسطينية إذا أصبح اسم فلسطين شهادة براءة لكل مجرم، وصك غفران لكل ميليشيا، وغطاءً سياسياً لكل مشروع يستهدف الدول ومؤسساتها وسيادتها؟ وماذا يبقى من عدالة القضية إذا تحول الدفاع عنها إلى وسيلة لإسكات العقل، وتعطيل الضمير، ومنح بعض الجماعات حصانة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها؟
إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له فلسطين ليس فقط الاحتلال الذي يسلب أرضها ويقتل أبناءها، بل أن تتحول عدالتها إلى سلعة في سوق الشعارات، وأن يصبح اسمها غسالة سياسية، تدخل إليها الجرائم وهي ترتدي ثياب المصالح الفئوية، ثم تخرج منها مزينة برايات المقاومة. فكلما تورطت جماعة في الخراب، رفعت اسم فلسطين، وكلما سُئلت عن الدماء التي سالت تحت سلطتها، استحضرت المعركة مع إسرائيل، وكأن التاريخ لا يعرف سوى جريمة واحدة، وكأن بقية الجرائم تصبح مباحة متى أحسن مرتكبوها اختيار الشعار.
#فلسطين قضية تحرر وحق وكرامة،
وليست امتيازاً تمنحه الفصائل لأنفسها، وليست وكالة حصرية يتوارثها قادة التنظيمات، وليست تفويضاً مفتوحاً لأحد كي يقرر مصائر الشعوب نيابة عنها. ومن يعتقد أن مجرد رفع العلم الفلسطيني يمنحه حق تخريب دولة، أو احتكار قرار شعب، أو مصادرة مؤسساته، أو تحويل أرضه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، إنما يسيء إلى فلسطين قبل أن يسيء إلى خصومه. فالأعلام لا تطهر الأيدي، والشعارات لا تمحو آثار الدماء، والهتاف باسم الحرية لا يجعل الاستبداد حرية، كما أن إطلاق وصف المقاومة على جماعة لا يعفيها من المحاسبة عن أفعالها.
ومن هنا، فإن الوقوف مع المملكة العربية السعودية قيادةً وشعباً، والدفاع عن حقها في الأمن والاستقرار والسيادة، ليس تناقضاً مع الوقوف مع فلسطين، ولا خروجاً على واجب التضامن العربي، ولا خيانة لشعار المقاومة. بل إن التناقض الحقيقي هو أن نطالب بقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وقرار وطني موحد، ثم نطالب دولاً عربية أخرى بالتعايش مع ميليشيات تنازعها سلطتها، وتفرض سلاحها على مؤسساتها، وتختطف القرار الوطني من أيدي شعوبها.
لماذا يجب أن نقف مع السعودية؟ لأن أمن الدول العربية ليس تفصيلاً يمكن التضحية به لإرضاء خطاب فصائلي، ولأن استهداف المنشآت المدنية والاقتصادية والمطارات، وتعريض حياة السكان للخطر، ليس بطولة لمجرد أن الجهة التي تمارسه ترفع شعاراً سياسياً أو دينياً. والتطورات التي شهدها المشهد السعودي واليمني في الأيام الأخيرة، بما فيها الهجمات التي طالت منشآت سعودية، والهجوم الصاروخي الذي استهدف مجمع القصر الرئاسي في عدن في الخامس عشر من تشرين الأول 2026، تؤكد أن التصعيد لم يعد مجرد سجال إعلامي، بل صار تهديداً مباشراً لأمن الناس ومؤسسات الدولة والاستقرار الإقليمي. وقد أوردت تقارير صحفية هذه التطورات في سياق تجدد المواجهات واتساع رقعة الاستهداف.
إن الوقوف مع #السعودية
في مواجهة الاعتداءات التي تستهدف أمنها ليس موقفاً موجهاً ضد الشعب اليمني، تماماً كما أن الوقوف مع الشعب اليمني لا يقتضي منح الحوثيين أو غيرهم صكاً مفتوحاً لاحتكار السلطة والسلاح. فالشعب اليمني ليس ميليشيا، واليمن ليس ملكاً لتنظيم، ومستقبل ملايين اليمنيين لا ينبغي أن تحدده جماعة مسلحة مهما امتلكت من أدوات القوة أو رفعت من شعارات العقيدة والمظلومية والتحرير. ومن حق اليمنيين أن يعيشوا في دولة موحدة، ذات مؤسسات فاعلة وقرار مستقل، بعيداً عن هيمنة السلاح المنفلت والتدخلات الخارجية وحسابات القوى الإقليمية.
وموقفنا هنا ليس تفويضاً مطلقاً لأي حكومة، ولا إعفاءً لأي دولة من النقد والمساءلة، بل هو انحياز إلى مبدأ واضح: لا يجوز الاعتداء على المدنيين، ولا يجوز أن يصبح أمن الشعوب رهينة لمصالح التنظيمات المسلحة. ومساندة حق المملكة العربية السعودية في الدفاع عن أرضها وشعبها لا تعني التخلي عن حق الشعب اليمني في السلام والكرامة والحكم الرشيد، بل تعني رفض أن يكون أحد الحقين مبرراً لإلغاء الآخر. فلا ننتصر للعرب بتبرير الاعتداء على السعودية، ولا ننصف اليمن بتسليم مستقبله إلى الميليشيات، ولا نخدم فلسطين بإضعاف الدول العربية التي يمكن أن تكون سنداً سياسياً واقتصادياً وإنسانياً لها.
لكن المشكلة أعمق من حدود #اليمن و #السعودية ؛
إنها مشكلة عقل سياسي تعلّم أن يختبئ خلف الرموز المقدسة، وأن يرفع الشعار حين يعجز عن تقديم الحجة، وأن يستدعي المظلومية حين يُسأل عن المسؤولية. هنا يظهر ما يمكن تسميته «ذكاء الشيطان في صناعة الرواية»: ليس لأن وراء كل حدث غرفة سرية تتحكم في العالم، بل لأن بعض الخطابات تمتلك قدرة فائقة على قلب المعاني، وتبديل مواقع الجاني والضحية، وتحويل السؤال المشروع إلى تهمة، والمراجعة الفكرية إلى خيانة، ومحاسبة الفصيل إلى عداء للمقدسات.
تبدأ اللعبة حين تُختزل الحقيقة في ثنائية مغلقة: إما أن تكون معنا في كل ما نفعل، وإما أن تكون مع العدو. لا مساحة للسؤال، ولا مكان للتفكير، ولا حق للناس في التفريق بين عدالة القضية وأخطاء من يرفع اسمها. فإذا انتقدت قراراً عسكرياً، اتُّهمت بالتخلي عن المقاومة، وإذا اعترضت على قمع شعب، قيل إنك تخدم إسرائيل، وإذا سألت عن مصير الأموال والسلاح والضحايا، استُدعيت قائمة طويلة من الشعارات التي لا تجيب عن سؤال واحد، لكنها تتقن صناعة الخوف من طرحه.
وهكذا تتحول الرواية الفصائلية إلى محكمة مغلقة، يكون فيها الفصيل هو المتهم والقاضي والشاهد وصاحب الحكم النهائي. تمنح نفسها حق تعريف الوطنية، واحتكار المقاومة، وتحديد من هو الخائن ومن هو المقاوم، ومن يستحق التعاطف ومن يجوز الصمت عن مأساته. ومع مرور الوقت، لا تعود شرعية الجماعة مستمدة من إنجازاتها أو من احترامها لإرادة الناس، بل من قدرتها على الاستحواذ على الرمزية العاطفية والدينية للقضية، حتى يصبح نقدها في نظر أتباعها اعتداءً على القضية نفسها.
وهنا تبدأ صناعة الآلهة البشرية؛
لا بمعنى أن الناس يعبدونها بالضرورة عبادة دينية حرفية، بل بمعنى أن بعض القيادات تُرفع فوق مستوى المحاسبة، وتُحاط بهالة تمنع مساءلتها، وتتحول كلماتها إلى حقائق نهائية، وقراراتها إلى أحكام لا تقبل الاعتراض. يُطلب من الجمهور أن يثق من دون أن يسأل، وأن يصفق من دون أن يفكر، وأن يقبل الخسائر من دون أن يعرف من قررها ولماذا، وأن يقدس الرمز حتى عندما تتعارض أفعال حامليه مع القيم التي يدّعون تمثيلها.
إن تقديس الرموز الدينية أو التاريخية أو الوطنية لا يصنع وعياً سياسياً، بل قد يصنع تبعية عمياء حين يُستخدم لإلغاء النقد. فالدين في وجدان المؤمنين قيمة روحية وأخلاقية، وليس رخصة سياسية تمنح تنظيماً بشرياً العصمة، والرمز الوطني ليس درعاً يحتمي خلفه كل صاحب سلطة، والمقاومة ليست مقاماً أخلاقياً أبدياً يعفي من المساءلة. لا أحد فوق النقد لمجرد أنه تحدث باسم الله أو الوطن أو القدس، ولا أحد يملك احتكار الإيمان أو الوطنية أو التضحية.
والأخطر أن هذا التقديس قد يُستخدم لتمرير رواية فصائلية على أنها الحقيقة الوحيدة الممكنة. يُنتقى من التاريخ ما يخدم الجماعة، وتُخفى منه الوقائع التي تربك سرديتها، وتُعاد صياغة الهزائم باعتبارها انتصارات مؤجلة، وتُقدَّم الكلفة الإنسانية بوصفها دليلاً على الصمود، حتى يصبح الاعتراف بالخطأ جريمة بحق الشهداء، وتتحول مراجعة الخيارات إلى طعن في تضحيات الناس. وهكذا يُسخَّر الألم نفسه لمنع التعلم من أسبابه، ويصبح دم الضحايا حجة لإدامة القرارات التي قد تنتج ضحايا جدداً.
إن الشهداء ليسوا ملكاً للفصائل، والضحايا ليسوا أرقاماً في سجلات الدعاية، وتضحيات الشعوب ليست صك ملكية يمنح أحداً حق التصرف بمستقبلها. ومن الظلم أن تُستخدم معاناة الفلسطينيين لإسكات اليمني الذي يريد دولة، أو السعودي الذي يريد أمناً، أو اللبناني الذي يريد مؤسسات تحكمه، أو العراقي الذي يريد ألا يكون قرار بلاده موزعاً بين قوى داخلية ورعاة خارجيين. فهل أصبحت كرامة الإنسان العربي قابلة للتجزئة؟ وهل صار من المقبول أن نطالب بالحرية لفلسطين، ثم نتعامل مع حرية الآخرين باعتبارها تفصيلاً ثانوياً لا قيمة له أمام حسابات الفصائل؟
من هنا نفهم المفارقة الكبرى في الخطاب الذي يريد تحرير فلسطين، لكنه لا يرى خطراً في إضعاف دول عربية وتفكيك مؤسساتها وإغراق مجتمعاتها في صراعات لا تنتهي. يريد دولة فلسطينية قوية، لكنه قد يبرر في الوقت نفسه قيام مراكز قوة تتجاوز الدولة في بلدان أخرى. يطالب بسيادة الفلسطينيين على أرضهم وقرارهم، ثم يستخف بسيادة اليمنيين أو العراقيين أو اللبنانيين حين تتعارض إرادة شعوبهم مع مشروع الجماعة. يدافع عن حق الفلسطيني في تقرير مصيره، لكنه قد يسلب هذا الحق من مواطن عربي آخر بحجة أن التنظيم يعرف مصلحة الأمة أكثر مما يعرفها أبناؤها.
أي منطق هذا الذي يجعل الدولة الفلسطينية المنشودة حقاً أصيلاً، بينما تصبح الدولة العربية القائمة هدفاً مشروعاً للتفكيك؟ وأي تحرر هذا الذي يرفض احتلال الأرض، لكنه يتسامح مع احتكار القرار؟ وأي مقاومة هذه التي تقول إنها تحارب الهيمنة، ثم تنتج داخل المجتمعات هيمنة جديدة باسم العقيدة أو السلاح أو التفويض التاريخي؟
إن رفض هذا المنطق لا يعني إنكار الاحتلال الإسرائيلي، ولا التقليل من معاناة الفلسطينيين، ولا مساواة المعتدي بمن يقاومه في كل الأحوال. بل يعني أن عدالة القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى تبرير كل فعل يصدر عن أي جهة تتحدث باسمها. كما يعني أن اختلافنا مع سياسات دولة ما لا يحول كل خصومها إلى أبطال، وأن العداء لإسرائيل لا يمنح أي جماعة حصانة من النقد إذا مارست القمع أو هددت المدنيين أو صادرت قرار شعبها. فالسياسة لا تُقاس بالشعارات وحدها، بل بالنتائج والوسائل ومدى احترام الإنسان وحقه في تقرير مصيره.
وفي هذا السياق، لا يجوز أن نخلط بين نقد المشروع الإيراني الإقليمي وبين العداء لشعب أو مذهب. فالمعيار ليس هوية الناس الدينية ولا انتماءاتهم الاجتماعية، وإنما طبيعة المشروع السياسي وسلوكه تجاه الدول ومؤسساتها وقرارها المستقل. حين ترتبط قوة مسلحة بدعم خارجي، وتدخل في صراع إقليمي يتجاوز حدود بلدها، وتُقدِّم حساباتها العسكرية والسياسية على حاجات المجتمع الذي تتحرك باسمه، يصبح من حق المواطنين أن يسألوا عن الثمن الذي يدفعونه، وعن الجهة التي تحدد أولوياتهم، وعن مدى قدرتهم على الاعتراض من دون خوف.
لا يجوز أن نختزل اليمن في الحوثيين، ولا العراق في فصيل، ولا لبنان في حزب، ولا فلسطين في تنظيم. فالشعوب أوسع من قياداتها، والأوطان أعمق من راياتها الحزبية، والقضية العادلة لا تختصرها جهة واحدة مهما رفعت من شعارات أو راكمت من رمزية. ومن حق كل شعب أن يختلف مع القوى التي تدعي تمثيله، وأن يطالبها بالمحاسبة، وأن يرفض أن يتحول وطنه إلى ورقة تفاوض أو منصة استنزاف في صراع إقليمي مفتوح.
أما السؤال الذي ينبغي أن يوجَّه إلى تجار الشعارات فهو: إذا كانت فلسطين هي الغاية، فكيف يصبح تدمير الدول وسيلة مقبولة لتحقيقها؟ وإذا كان الهدف تحرير الإنسان من الاحتلال، فلماذا يُطلب من الإنسان العربي أن يتنازل عن حقه في الأمن والسيادة والقرار؟ وإذا كانت المقاومة مشروع كرامة، فلماذا يُعامل الاعتراض على أخطاء الفصائل باعتباره خيانة، بينما يُطلب من الشعوب أن تصمت أمام نتائج قرارات لم تشارك في صنعها؟
ليس من المنطقي أن نطالب العالم باحترام القانون الدولي وحق الفلسطينيين في تقرير المصير، ثم نقبل منطق القوة المسلحة حين يفرض واقعاً سياسياً على شعب آخر. وليس من المقبول أن ندين الاستيطان ومصادرة الأرض الفلسطينية، ثم نتساهل مع مصادرة القرار الوطني في عواصم عربية تحت أي عنوان. فالمبدأ الذي لا نتمسك به إلا حين يخدم جماعتنا ليس مبدأ، والعدالة التي نمنحها لمن نحب ونحجبها عمن نختلف معه ليست عدالة، والسيادة التي ندافع عنها للفلسطينيين وننكرها على غيرهم ليست إلا انتقائية سياسية مكشوفة.
وليس المطلوب أن تصطف الشعوب العربية خلف كل قرار تتخذه حكوماتها، ولا أن تتوقف عن نقد سياسات الدول، ولا أن تتحول العلاقات العربية إلى طاعة بلا نقاش. المطلوب أن نفرق بين النقد السياسي المشروع وبين تبرير الاعتداء، وبين الاختلاف مع الحكومة وبين الرغبة في انهيار الدولة، وبين التضامن مع شعب وبين تسليم مصيره إلى جماعة مسلحة. يمكننا أن نختلف مع السعودية في بعض السياسات، وأن نناقش خياراتها الإقليمية، وأن نطالب بمعالجة الأزمات بالحوار والدبلوماسية، لكن ذلك لا يبرر الصواريخ التي تستهدف أمنها، ولا يجعل الاعتداء على مواطنيها موقفاً مشروعاً لمجرد أن المعتدي يرفع شعاراً فلسطينياً أو دينياً.
وبالمثل، يمكننا دعم حق اليمنيين في استعادة دولتهم ومؤسساتهم، والدعوة إلى حل سياسي ينهي الحرب ويحمي المدنيين، من دون أن نمنح أي طرف تفويضاً مفتوحاً لتحديد مستقبل اليمن بالقوة. فالدولة القوية ليست الدولة التي تنتقم من شعبها، بل الدولة التي تحمي مواطنيها وتحتكر السلاح الشرعي ضمن مؤسسات خاضعة للقانون والمساءلة، وتسمح بالتعدد السياسي من دون أن يتحول التعدد إلى جيوش متنازعة وقرارات متضاربة.
لقد دفعت المنطقة العربية أثماناً هائلة من تفكك الدول والحروب الأهلية والانقسامات الطائفية والاستقطاب الأيديولوجي. وفي كل مرة كانت الشعارات أكبر من قدرة المجتمعات على تحمل نتائجها، كانت الشعوب هي التي تدفع الثمن، فيما يواصل صانعو الخطابات البحث عن تفسير جديد للخسارة، وعدو جديد يُحمَّل المسؤولية، ورمز جديد يُرفع فوق المساءلة. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن نعيد إنتاج الآليات نفسها، ثم نتوقع نتائج مختلفة، وأن نسمح للعاطفة المشروعة تجاه فلسطين بأن تتحول إلى أداة لتعطيل التفكير في مصير بقية الأوطان.
فلسطين لا تحتاج إلى حلفاء بلا دول، ولا إلى شعوب مكسورة الإرادة، ولا إلى أوطان تتحول إلى ساحات مفتوحة للصواريخ والحسابات الإقليمية. هي بحاجة إلى دول قادرة، ومؤسسات متماسكة، وشعوب تمتلك قرارها، وتضامن عربي يحول التعاطف إلى عمل سياسي واقتصادي وإنساني مؤثر. وهي بحاجة إلى خطاب يحفظ للمقاومة معناها الأخلاقي، ولا يختزلها في صورة قائد أو بيان عسكري أو منصة إعلامية؛ خطاب يربط التحرر بالكرامة، والقوة بالمسؤولية، والرمزية بالمحاسبة، والانتصار بحياة الناس لا بعدد الخرائب التي تُضاف إلى خريطة المنطقة.
إن الوقوف مع السعودية في مواجهة الاعتداءات التي تستهدف أمنها لا ينتقص من فلسطين، بل ينسجم مع رفض تحويل المنطقة إلى مجموعة ساحات تُدار من خارج إرادة شعوبها. والوقوف مع اليمنيين في حقهم بدولة مستقلة لا يعني العداء لأي مذهب أو جماعة اجتماعية، بل يعني أن لا أحد يملك احتكار مستقبل بلد بأكمله. والوقوف مع فلسطين لا يعني التسليم لكل فصيل يرفع رايتها، بل يعني الدفاع عن حق الفلسطينيين أنفسهم في حياة حرة وآمنة، وفي قرار وطني يحمي قضيتهم من الاستغلال والتوظيف.
إن الحقيقة التي يحاول بعض تجار الشعارات إخفاءها بسيطة: ليست كل جهة تعادي إسرائيل مشروعَ تحرر، وليست كل جماعة ترفع فلسطين حليفاً لها، وليست كل قيادة تمتلك الرمزية تمتلك الحق، وليست كل تضحية دليلاً على صواب القرار الذي أنتجها. المقاومة لا تمنح العصمة، والدين لا يمنح أحداً حق احتكار الحقيقة، والدم لا يُستخدم لإسكات الأسئلة، والشعب لا يفقد حقه في المحاسبة لأن قائداً ما قرر أن يتحدث باسمه.
وفي النهاية، علينا أن نطرح السؤال الذي تهرب منه الروايات المغلقة: إذا كان تحرير فلسطين لا يتحقق إلا بتدمير كل دولة عربية قادرة على دعمها، وإضعاف كل مؤسسة يمكن أن تسندها، وإسكات كل شعب يطالب بقراره، فمن الذي سيبقى ليشارك في هذا التحرير؟ وإذا كان الانتصار يحتاج إلى أوطان مدمرة وشعوب مرهقة وقرارات مختطفة، فهل نكون قد انتصرنا لفلسطين، أم أننا صنعنا حولها خرائب جديدة، ثم علقنا عليها رايات المقاومة؟
فلسطين ليست ذريعة لإلغاء الأوطان، وليست ستاراً لتبرئة الميليشيات، وليست مقدمة لتقديس البشر. فلسطين قضية حق، والحق لا يخاف السؤال، ولا يحتاج إلى تضليل الوعي، ولا يطلب من الشعوب أن تتنازل عن كرامتها كي تثبت إخلاصها له. ومن يقف مع فلسطين حقاً، ينبغي أن يقف مع حق كل شعب عربي في دولته وسيادته وأمنه وقراره المستقل.
نحن مع فلسطين، ومع حق السعودية في الأمن والسيادة، ومع حق اليمنيين في دولتهم وقرارهم الحر. نحن مع مبدأ الدولة، لا سلطة الميليشيا، ومع كرامة الشعوب، لا تقديس القادة، ومع مقاومة الاحتلال، لا صناعة احتلالات جديدة باسم المقاومة. فالأوطان لا تتحرر بتدمير الأوطان، والحرية لا تُبنى على أنقاض إرادة الشعوب، وفلسطين التي نحلم بتحريرها لا تستحق أن يتحول اسمها إلى مبرر لخراب الأمة.
— ماجد الفاعوري