الأردن ليس بوابة التهجير ولا صندوق القضية الفلسطينية

مع كامل الاحترام للكاتب ماهر أبو طير، فإن المقال يضع يده على خطورة حقيقية، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى نقطة فاصلة لا يجوز تجاوزها

الضفة الغربية قضية فلسطينية أولاً وأخيراً، وهذا ليس موقفاً أردنياً طارئاً ولا محاولة للتنصل من المسؤولية القومية، بل هو الموقف الذي كرّسه العرب والفلسطينيون أنفسهم قبل عقود

ففي قمة الرباط عام 1974 اعترفت الدول العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وأكدت حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة سلطته الوطنية المستقلة على الأرض الفلسطينية المحررة

والأردن لم يعارض هذا الخيار، بل وافق عليه

بل إن الملك الحسين بن طلال قال بوضوح في خطابه التاريخي عام 1988 إن الأردن يحترم رغبة منظمة التحرير الفلسطينية في الانفصال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وإن القرار جاء استجابة للاتجاه الفلسطيني والعربي الذي أراد إبراز الهوية الفلسطينية بصورة كاملة

وهنا بيت القصيد

الأردن لم يقرر وحده أن يتخلى عن الضفة، ثم يطلب من الفلسطينيين تحمل النتائج

الوقائع التاريخية تقول شيئاً مختلفاً

لقد سبق قرار فك الارتباط قرار عربي بتكريس منظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للفلسطينيين، ثم جاء فك الارتباط القانوني والإداري عام 1988 ليمنح الفلسطينيين مجال تحمل مسؤوليتهم الوطنية بأنفسهم

والأهم من ذلك أن الأمم المتحدة نفسها وثقت أن خطوات الملك الحسين في تلك المرحلة رحبت بها منظمة التحرير الفلسطينية وأبدت استعدادها لتحمل المسؤولية الكاملة عن إدارة الضفة الغربية المحتلة

إذن لا يجوز اليوم أن تعود الكرة إلى الملعب الأردني وكأن التاريخ لم يحدث

لا يجوز أن يقال للأردن

احمِ الضفة

وتحمل مسؤولية القدس

واستقبل المهجرين

وتحمل العبء الاقتصادي والديموغرافي والأمني

ثم إذا ساءت الأمور قيل إن المشكلة أصبحت أردنية

لا

المشكلة فلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولها ارتدادات أردنية خطيرة، وهذا فرق جوهري

الأردن يستطيع أن يدعم الحق الفلسطيني سياسياً ودبلوماسياً وإنسانياً، وأن يرفض الاحتلال والاستيطان والضم والتهجير، وأن يحمي مصالحه الوطنية بكل الوسائل المشروعة، لكنه ليس مطالباً بتحويل أرضه إلى البديل عن الأرض الفلسطينية

وهذا ليس تخلياً عن فلسطين

بل ربما يكون أكبر خدمة يمكن تقديمها للقضية الفلسطينية

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الاحتلال من مشروع لاقتلاع الفلسطيني من أرضه إلى مشروع لإعادة توزيع الفلسطينيين على دول الجوار، وعلى رأسها الأردن

وهنا يجب أن يكون الموقف الأردني حاسماً

لا للتهجير

لا للوطن البديل

لا لتحويل الأردن إلى حل للقضية الفلسطينية

ولا لتحميل الأردن نتائج فشل المجتمع الدولي في إلزام إسرائيل بالقانون الدولي

بل إن الأردن ما زال حتى اليوم يتخذ موقفاً واضحاً ضد الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، ويرفض الاستيطان والضم والتهجير، ويؤكد حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية

وهذا يعني أن الأردن لم يغلق الباب أمام فلسطين

بل أغلق الباب أمام تصفية فلسطين على حساب الأردن

وهنا يجب أن نكون أكثر صراحة

الأردنيون عاشوا على مدى عقود آثار الحروب والنكبات والهجرات المتعاقبة، وتحمل الأردن أعباء إنسانية واقتصادية وأمنية هائلة، ولا يمكن أن يصبح كل مشروع جديد لتصفية القضية الفلسطينية مشروعاً لإعادة تشكيل المجتمع الأردني

للأردني أيضاً حق في وطن مستقر

وله الحق في أن يحافظ على دولته وتركيبته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية

وله الحق في أن يقول إن قدرة الأردن ليست بلا حدود

بلغ السيل الزبى

ولا يجوز أن تتحول عبارة الأخوة إلى ذريعة لإلغاء حق الأردني في الاستقرار أو لإلقاء أعباء الصراع عليه إلى ما لا نهاية

والأهم أن حماية الأردن لتركيبته الوطنية ليست عداءً للفلسطينيين

الفلسطيني الذي يريد أن يعيش حراً على أرضه هو أول المستفيدين من بقاء الأردن قوياً ومستقراً

أما تحويل الأردن إلى مساحة بديلة للفلسطينيين، فهو في الحقيقة خدمة مجانية لمشروع التهجير الإسرائيلي

وهنا أتفق مع الكاتب في جوهر سؤاله: أين هو المشروع الفلسطيني لمواجهة ما يجري في الضفة؟

وأضيف إليه سؤالاً آخر:

لماذا يُطلب من الأردن أن يقدم الإجابات عن الضفة بينما القرار العربي والفلسطيني نفسه منذ عام 1974 جعل منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني؟

ثم جاء فك الارتباط عام 1988 ليضع العلاقة على أساس جديد

وقد نصت تعليمات فك الارتباط نفسها على أن المقيم في الضفة الغربية قبل 31 تموز 1988 يُعامل بوصفه مواطناً فلسطينياً لا أردنياً، وهو ما يؤكد الطبيعة القانونية والسياسية للقرار

إذن، حين نتحدث اليوم عن الضفة الغربية، ينبغي أن نتحدث بمنتهى الوضوح:

هذه أرض فلسطينية محتلة

وشعبها فلسطيني

وممثلها السياسي الذي اختاره العرب والفلسطينيون هو المسؤول عن مشروعه الوطني

والاحتلال الإسرائيلي هو المسؤول الأول عن الكارثة

أما الأردن فهو دولة ذات سيادة لها حدود ومصالح وأمن وتركيبة وطنية، وليست ساحة مفتوحة لمعالجة أخطاء الآخرين أو لاستيعاب نتائج التهجير

نحن لا نطلب من الفلسطيني أن يغادر أرضه

بل نقول العكس تماماً:

ابقَ في أرضك

تمسك بحقك

واجه مشروع التهجير

وأقم دولتك على أرضك

أما الأردن فسيبقى جاراً وشقيقاً وداعماً للحقوق الفلسطينية، لكنه لن يكون بديلاً عن فلسطين، ولن يسمح بأن تتحول الضفة الغربية إلى مقدمة لتحويل الضفة الشرقية إلى وطن بديل

لقد اختار الفلسطينيون منذ عقود أن تكون لهم قضيتهم الوطنية وكيانهم السياسي وممثلهم الشرعي

والأردن احترم هذا الخيار

فليُحترم اليوم حق الأردن أيضاً في أن يعيش مستقراً آمناً داخل حدوده، وأن يحافظ على دولته ومجتمعه، وأن يقول بوضوح:

فلسطين للفلسطينيين، والأردن للأردنيين، ولا وطن بديل، ولا تهجير، ولا تصفية للقضية الفلسطينية على حساب الأردن.

وهذه ليست قطيعة مع فلسطين

بل هي الطريقة الوحيدة التي تمنع أن تصبح فلسطين نفسها هي الخاسر الأكبر، والأردن هو الضحية الثانية لمشروع التهجير.

 

جميع الحقوق محفوظة ماجد الفاعوري © 2026.