الجنسية ليست سلعة… الجنسية وطن
- الكاتب ماجد الفاعوري
- أخبار
- الزيارات: 666

عندما يصبح تهجير الفلسطيني مشروعًا سياسيًا… يصبح الدفاع عن الأردن واجبًا وطنيًا
لنضع الأقنعة جانبًا
ولنقل الكلام الذي يحاول كثيرون الهروب منه
ما يجري في الضفة الغربية ليس حادثًا أمنيًا عابرًا
وليس مجرد "عنف مستوطنين"
وليس خلافًا عقاريًا على بضعة دونمات
إنه مسار سياسي متدرج يقوم على قاعدة شديدة الوضوح:
ادفع الفلسطيني إلى الرحيل
صادر أرضه
حوّل حياته إلى جحيم
مزّق جغرافيا الضفة
ثم ابحث له عن مكان آخر
وأخطر ما في هذا المشهد أن المكان الآخر الذي يتكرر اسمه في الحسابات السياسية منذ عقود هو:
الأردن
ولهذا فإن من يستخف بتحذير الأردنيين من التهجير والتوطين إما أنه لا يفهم خطورة اللحظة، أو أنه يفهمها جيدًا ولا يريد أن يقول الحقيقة.
هذه ليست نظرية مؤامرة
قبل أن يأتي أحد ليطلق علينا أسطوانة "نظرية المؤامرة"، فليقرأ الوثائق
لا منشورات فيسبوك
لا خطبًا حزبية
لا مقاطع يوتيوب
وثائق
في برقية دبلوماسية أميركية منشورة عبر ويكيليكس عام 2009، ورد أن الأردن كان يرفض باستمرار فكرة إنشاء "وطن فلسطيني بديل" على أراضيه، وأن هذه المسألة مرتبطة مباشرة بالمخاوف المتعلقة بمستقبل المملكة.
إذن فالمسألة لم تكن اختراعًا أردنيًا لتخويف الناس
بل كانت موضوعًا حاضرًا في الحسابات الدبلوماسية والسياسية
والذين كانوا بالأمس يسخرون من عبارة "الوطن البديل" مطالبون اليوم بأن يشرحوا لنا لماذا أصبحت الضفة الغربية نفسها تحت ضغط تهجير متصاعد.
انظروا إلى الأرقام بدل الكلام
الأمم المتحدة وثقت في 2026 مستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين في الضفة الغربية
أكثر من 1,430 حادثة حتى أغسطس
ونحو 3,800 فلسطيني مهجّرون بسبب عنف المستوطنين والهدم والإخلاء
والمشكلة ليست في الرقم وحده
بل في الاتجاه
لأن المجتمعات التي تُهجّر اليوم لا تعود بسهولة إلى أرضها غدًا
والأرض التي تُخلى من سكانها تصبح جاهزة للاستيطان
والاستيطان الذي يتحول إلى أمر واقع يصبح لاحقًا "حدودًا"
ثم يصبح "سيادة"
ثم يأتي السياسيون ليقولوا:
لقد أصبح الواقع جديدًا
وهكذا تُسرق الأوطان
ليس في ليلة واحدة
بل بالتقسيط
الضفة الغربية ليست بعيدة عن الأردن
هذه هي الحقيقة التي يجب أن تدخل إلى كل بيت أردني
الضفة ليست قضية خارجية بالنسبة للأردن
هي الجغرافيا التي تقف على الضفة الأخرى من النهر
وأي مشروع يستهدف تفريغها من سكانها لا يمكن أن ينتهي عند حدودها
لأن السؤال سيأتي بعدها:
إلى أين يذهب هؤلاء؟
ومن الذي سيدفع الثمن؟
ومن الذي سيُطلب منه فتح حدوده؟
ومن الذي سيُقال له:
"إنها أزمة إنسانية… افتحوا الأبواب"
وهنا يجب أن تكون الإجابة الأردنية:
نساعد الإنسان الفلسطيني على أرضه، ولا نساعد على اقتلاعه منها
هذه ليست قسوة
هذه هي قمة المسؤولية
لأن استقبال الفلسطيني مهجرًا شيء
وتحويل تهجيره إلى حل سياسي دائم شيء آخر تمامًا.
الجنسية ليست للبيع
وهنا نصل إلى أخطر ملف
الجنسية الأردنية
هناك فارق هائل بين أن تمنح دولة جنسيتها وفق قوانينها لشخص يستوفي شروطًا قانونية محددة، وبين أن تتحول الجنسية إلى أداة لإعادة هندسة الصراع العربي الإسرائيلي.
الأولى شأن سيادي تنظمه الدولة
أما الثانية فهي تصفية سياسية لقضية وطنية على حساب وطن آخر
ولهذا أقولها دون تردد:
الجنسية ليست سلعة
الجنسية ليست شقة
وليست قطعة أرض
وليست برنامج إقامة ذهبية
وليست صفقة استثمارية
وليست تعويضًا عن وطن سُرق من صاحبه
الجنسية وطن
ومن يختزلها إلى رقم في دفتر الحسابات لا يفهم معنى الدولة.
لا تخلطوا بين الفلسطيني والتوطين
وهذه النقطة يجب أن تكون محسومة
الفلسطيني الذي يعيش في الأردن ليس عدوًا
والأردني من أصل فلسطيني ليس ضيفًا
ولا يجوز تحويل القضية إلى صراع اجتماعي بين الأردني والفلسطيني
هذا بالضبط هو الفخ
المطلوب هو الفصل بين الإنسان الفلسطيني وبين مشروع تصفية فلسطين
الفلسطيني له حقه في وطنه
والأردني له حقه في دولته
والاثنان ليسا متناقضين
بل إن أخطر من يضر بالفلسطيني هو من يقول له:
"انسَ فلسطين… لديك الأردن"
وأخطر من يضر بالأردن هو من يقول له:
"لا تخف… التوطين مجرد حقوق مدنية"
كلاهما يقدم نصف الحقيقة ليقتل الحقيقة كاملة.
إلى دعاة التوطين: انتهى زمن التذاكي
إلى كل من يحاول تسويق التوطين تحت عناوين براقة:
حقوق الإنسان
الاندماج
المواطنة
الواقعية
الحل الإقليمي
الكونفدرالية
الفرصة الاقتصادية
السلام
أو حتى "إنهاء الصراع"
نقول:
لا
لن يتحول الأردن إلى حل جغرافي لمشكلة صنعتها إسرائيل
ولن تتحول الجنسية إلى تعويض عن فلسطين
ولن يصبح النهر مجرد خط على الخريطة بينما تُمحى الدولة الفلسطينية من الجهة الأخرى.
وإلى الليبراليين واليساريين والإسلاميين
نعم، سنفتح النار سياسيًا على كل تيار يتبنى التوطين أو يبرره أو يساهم في تهيئة الرأي العام له
لا يهم إن كان صاحبه يرتدي ربطة عنق ليبرالية
أو يرفع شعارًا يساريًا
أو يتحدث بلغة حقوق الإنسان
أو يرفع راية إسلامية
المعيار ليس الزي
المعيار هو الموقف
من يقف مع حق الفلسطيني في أرضه فنحن معه
ومن يريد اقتلاعه من أرضه ثم يسمي ذلك "حلًا" فنحن ضده
بغض النظر عن أيديولوجيته.
أما "الإخوان المفلسون" سياسيًا…
فليكن الكلام واضحًا أيضًا
إذا كان بعض الإسلاميين يرفعون فلسطين في المنابر ثم يمارسون سياسة حزبية ضيقة عندما تصل القضية إلى امتحان حقيقي، فهذه ليست مقاومة
هذا استثمار سياسي في المأساة
والإخوان الذين يجعلون فلسطين شعارًا موسميًا ثم يدخلون في مساومات السلطة والحسابات الانتخابية هم، في هذه الحالة، إخوان مفلسون سياسيًا
لأن فلسطين أكبر من حزب
وأكبر من جماعة
وأكبر من انتخابات
وأكبر من كرسي نائب
والقدس ليست شعارًا انتخابيًا يُرفع وقت الحاجة ثم يُطوى عندما تنتهي المعركة.
لكن لا تنخدعوا بالليبرالي واليساري أيضًا
هناك من يبيع التوطين بلغة أكثر نعومة
لا يقول:
"وطن بديل"
بل يقول:
"مواطنة كاملة"
ولا يقول:
"تصفية القضية"
بل يقول:
"إنهاء أزمة اللاجئين"
ولا يقول:
"تهجير"
بل يقول:
"إعادة توطين"
ولا يقول:
"إلغاء فلسطين"
بل يقول:
"حل واقعي"
تغيير الكلمات لا يغيّر الحقيقة
إذا كانت النتيجة النهائية:
فلسطيني يُقتلع من الضفة
ثم يُستقر في الأردن
ثم يحصل على وضع دائم
ثم يصبح التوطين أمرًا واقعًا
فماذا نسمي ذلك؟
التوطين
حتى لو وضعوا حوله ألف كلمة جميلة.
إسرائيل نفسها تقول لنا ما الذي يجري
الأمر لا يحتاج إلى محلل أردني حتى يكتشف الخطر
فالواقع على الأرض يتحدث
الأمم المتحدة وثقت أن عنف المستوطنين أصبح عاملًا رئيسيًا في تهجير الفلسطينيين، وأن عشرات التجمعات تعرضت للتهجير الكامل أو الجزئي منذ 2023.
ومنظمة العفو الدولية وثقت نمطًا من النقل القسري للفلسطينيين في مناطق من الضفة وربطته بتوسع المستوطنات وسياسات الضم.
وفي الوقت نفسه، تستمر الدعوات داخل اليمين الإسرائيلي إلى إخراج الفلسطينيين من غزة، وهو ما يعيد إلى الواجهة مخاوف التهجير الجماعي.
فهل يريد منا أحد بعد ذلك أن نتعامل مع التهجير باعتباره خيالًا سياسيًا؟
الأردن يجب أن يرفع السقف
الموقف المطلوب ليس بيانات دبلوماسية فقط
ولا تصريحات موسمية
ولا اجتماعات مغلقة
الأردن يحتاج إلى عقيدة وطنية واضحة تجاه التهجير والتوطين
تقول:
أي تهجير فلسطيني قسري باتجاه الأردن تهديد مباشر للأمن الوطني الأردني
ويجب التعامل معه على هذا الأساس.
ويجب أن تكون هناك:
رقابة سياسية وقانونية كاملة على أي مشروع يتعلق بالتوطين
كشف علني لأي تمويل أو اتفاق أو مبادرة يمكن أن تؤدي إلى إعادة هندسة ديموغرافية في الأردن
رفض أي ترتيبات تجعل الأردن طرفًا في تصفية القضية الفلسطينية
تحرك دبلوماسي دولي لمنع الضم والتهجير
دعم صمود الفلسطينيين في الضفة
وإبقاء حق العودة حاضرًا في كل خطاب ومفاوضة
فالذي يريد منع التهجير لا ينتظر وصول المهجرين إلى الحدود
بل يمنع الجريمة قبل وقوعها
ومن يعتقد أن الأردن يستطيع ابتلاع القضية فهو لا يعرف الأردن
الأردن ليس قطعة إسفنج تمتص أزمات المنطقة إلى ما لا نهاية
الأردن دولة لها حدود
وسكان
وهوية
واقتصاد
وأمن
وسيادة
وتاريخ
ومصالح وطنية
ولا يمكن أن يتحول إلى حل لمعادلة إقليمية لأن الآخرين فشلوا في حلها.
والأخطر أن التوطين لا ينهي القضية الفلسطينية
بل ينقلها إلى الأردن
ويحوّل الصراع من:
احتلال فلسطيني
إلى:
أزمة هوية ودولة وحدود وسيادة في الأردن
وهنا يجب أن يفهم الجميع أن الموضوع ليس عاطفة
إنه أمن قومي
لا نريد حربًا مع الفلسطيني… نريد فلسطين للفلسطيني
هذه المعركة لا ينبغي أن تتحول إلى صراع بين شرق النهر وغربه
ولا بين الأردني والفلسطيني
ولا بين أبناء الشعب الواحد
بل يجب أن تكون المعركة واضحة:
ضد الاحتلال
ضد الضم
ضد الاستيطان
ضد التهجير
ضد الوطن البديل
ضد التوطين السياسي
وهذه كلها معركة واحدة
لأن من يقبل بالضم يقترب من التهجير
ومن يقبل بالتهجير يقترب من التوطين
ومن يقبل بالتوطين يقترب من تصفية فلسطين
وفي النهاية…
لن أقول:
"احذروا الوطن البديل"
بل سأقول:
قاتلوا سياسيًا وفكريًا كل مشروع يريد صناعة الوطن البديل
بالوثيقة
بالقانون
بالدبلوماسية
بالإعلام
بكشف المخططات
وبوعي شعبي لا يسمح لأحد بأن يمرر أخطر مشروع في تاريخ المنطقة تحت عنوان إنساني جميل.
فلسطين ليست أزمة لاجئين حتى نحاول حلها بتوزيع اللاجئين
فلسطين وطن محتل
والحل ليس نقل الشعب
بل إنهاء الاحتلال.
والأردن ليس أرضًا فائضة
والأردني ليس رقمًا في مشروع ديموغرافي
والجنسية ليست ورقة في جيب المستثمر
ولا تعويضًا عن أرض مسلوبة
ولا رشوة سياسية
ولا جسرًا لتمرير صفقة.
الجنسية وطن
والوطن سيادة
والسيادة ليست للبيع
ومن يريد فلسطين بلا فلسطينيين
ثم يريد الأردن بلا هوية
فليعلم أن الشعبين ليسا غافلين
وأن التاريخ لا يُمحى بتغيير أسماء المشاريع
ولا تُسرق الأوطان بتغيير المصطلحات.
لا للتهجير
لا للضم
لا للتوطين
لا للوطن البديل
ولا لتحويل الأردن إلى فاتورة سياسية يدفعها شعب لم يرتكب جريمة الاحتلال
فلسطين للفلسطينيين
والأردن وطنٌ لا يُباع ولا يُشترى ولا يُعاد تشكيله في غرف الصفقات
