العراق ليس إيران
- الكاتب ماجد الفاعوري
- أخبار
- الزيارات: 386

العراق ليس إيران
تحقيق سياسي في بلدٍ تتصارع على قراره الدولة والمحاور
إعداد: ماجد الفاعوري
هناك سؤال يجب أن يُطرح اليوم بصراحة لا تحتمل المواربة:
من يملك القرار العراقي؟
هل هو رئيس الوزراء بوصفه القائد العام للقوات المسلحة؟
هل هي مؤسسات الدولة الدستورية؟
هل هو البرلمان المنتخب؟
أم أن المشهد أكثر تعقيدًا، وأن داخل الدولة قوى سياسية ومسلحة تمتلك من النفوذ ما يجعل القرار العراقي موزعًا بين مؤسسات رسمية ومراكز قوة مرتبطة بمحاور إقليمية؟
هذا السؤال ليس ترفًا سياسيًا
ففي 11 أيلول/سبتمبر 2026 أعلنت بغداد إغلاق معبر الشلامجة مع إيران بعد هجمات بطائرات مسيرة على منشآت نفطية سعودية قالت الرياض إن الطائرات أُطلقت من الأراضي العراقية، فيما أعلنت الحكومة العراقية فتح تحقيق واتخاذ إجراءات أمنية.
وفي اليوم نفسه أعلنت بغداد إقالة قائد عسكري مسؤول عن عمليات في محافظة ميسان في أعقاب التحقيقات المرتبطة بالهجمات.
هذه الواقعة وحدها تكشف حجم المعضلة:
حين تُستخدم أراضي دولة عربية في هجوم على دولة عربية أخرى، فإن القضية لا تعود مجرد خلاف بين فصيل مسلح ودولة إقليمية، وإنما تصبح سؤالًا عن سيادة الدولة العراقية وقدرتها على السيطرة على أراضيها.
وهنا نعود إلى الجملة التي يجب أن تكون عنوان المرحلة:
العراق ليس إيران
لكن المشكلة أن هناك من يريد للعرب أن يروا العراق من خلال صورة واحدة
صورة المليشيا
صورة الطائفة
صورة السلاح
صورة المحور الإيراني
وهذه الصورة ناقصة
لأن العراق أكبر بكثير من كل هذه القوى
أولًا: هل توجد أصلاً مشكلة نفوذ إيراني في العراق؟
الإجابة وفق المصادر المفتوحة ليست محل تخمين.
وزارة الخارجية الأمريكية أعلنت في أيلول/سبتمبر 2025 عقوبات وتصنيفات بحق جماعات عراقية موالية لإيران، وذكرت من بينها حركة النجباء، مشيرة إلى إعلان الحركة ولاءها لإيران وللمرشد الإيراني.
كما وثقت تقارير أمريكية رسمية جماعات مثل عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وحركة النجباء باعتبارها جماعات مرتبطة بإيران.
وتذهب رويترز في تحقيق حديث إلى أن إيران أنفقت سنوات وموارد ضخمة في بناء شبكة من الجماعات المسلحة المتحالفة معها في العراق، وأن هذه الشبكة أصبحت إحدى ركائز النفوذ الإيراني الإقليمي.
إذن
وجود النفوذ الإيراني في العراق ليس اختراعًا إعلاميًا عربيًا
الخلاف الحقيقي يبدأ عند سؤال آخر:
ما حجم هذا النفوذ؟
وإلى أي مدى تستطيع الدولة العراقية السيطرة على القوى التي ترتبط به؟
ثانيًا: المعضلة العراقية ليست وجود الحشد وحده
من السهل أن نقول:
الحشد الشعبي = إيران
لكن هذه صياغة غير دقيقة
الحشد الشعبي تشكل في سياق الحرب ضد تنظيم داعش، وأصبح لاحقًا جزءًا معترفًا به قانونيًا من المنظومة الأمنية العراقية.
وهذه حقيقة لا يجوز تجاهلها.
لكن الاعتراف القانوني لا ينهي المشكلة السياسية
لأن السؤال ليس فقط:
هل الحشد مؤسسة قانونية؟
بل:
هل جميع الفصائل داخله تخضع بصورة فعلية وكاملة للقرار العراقي؟
هنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية.
تقارير وتحليلات متعددة تشير إلى أن بعض الفصائل داخل الحشد حافظت على استقلال سياسي وعسكري نسبي، وأن بعضها مرتبط بصورة وثيقة بإيران.
رويترز ذكرت في تحقيق نشرته في أيلول/سبتمبر 2026 أن الحكومة العراقية تواجه صعوبة في نزع سلاح جماعات مسلحة موالية لإيران، وأن بعض الفصائل ترفض خطة نزع السلاح رغم ارتباطها الرسمي بالمنظومة الأمنية العراقية.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل تستطيع الدولة أن تكون صاحبة القرار النهائي إذا كانت بعض القوى المسلحة قادرة على رفض قرارها؟
ثالثًا: الدولة التي لا تحتكر السلاح ليست دولة مكتملة السيادة
هذه ليست مسألة عراقية فقط
هذه قاعدة أساسية في مفهوم الدولة الحديثة
الدولة لا تكون دولة مكتملة السيادة بمجرد امتلاكها علمًا ودستورًا وبرلمانًا
بل عندما تكون صاحبة السلطة النهائية على:
السلاح
الحدود
الأمن
السياسة الخارجية
والقرار بالحرب والسلم
ولهذا يصبح الحديث عن سيادة العراق ناقصًا إذا تجاهل مشكلة تعدد مراكز القوة المسلحة.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025 قال رئيس الوزراء العراقي آنذاك محمد شياع السوداني إن معالجة سلاح الفصائل المسلحة يمكن أن تبدأ بصورة أوسع بعد انتهاء وجود قوات التحالف، وتحدث عن إدماج الجماعات المسلحة ضمن مؤسسات الدولة أو انتقالها إلى العمل السياسي.
وهذا التصريح بحد ذاته يكشف أن قضية السلاح خارج السيطرة الحكومية الكاملة لم تكن قضية هامشية في النقاش السياسي العراقي.
رابعًا: من «المقاومة» إلى النفوذ السياسي
هنا نصل إلى الجزء الأخطر
المليشيا لا تبقى مليشيا إلى الأبد
قد تتحول إلى حزب
والحزب إلى كتلة برلمانية
والكتلة إلى وزارة
والوزارة إلى شبكة مصالح
والسلاح يبقى في الخلفية
وهكذا تنتقل القوة من الشارع إلى المؤسسات من دون أن تختفي أدواتها الأصلية.
صحيفة فايننشال تايمز وصفت في تحليل لها تحوّل جماعات مسلحة موالية لإيران في العراق من أدوارها العسكرية إلى ممارسة نفوذ سياسي واقتصادي، مع احتفاظ بعض هذه القوى بقدرات مسلحة ونفوذ داخل مؤسسات الدولة.
وهنا لا تعود القضية مجرد «مليشيات»
بل تصبح:
مشكلة دولة داخل الدولة
أو على الأقل تعدد مراكز القرار داخل الدولة.
خامسًا: ماذا حدث للعراقي الذي قال «أريد دولة»؟
هنا تظهر قصة أخرى لا تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام العربي
قصة العراقي الذي خرج في احتجاجات تشرين
العراقي الذي لم يكن يسأل عن طهران ولا واشنطن
كان يسأل:
أين الوظيفة؟
أين الكهرباء؟
أين الدولة؟
أين العدالة؟
أين الكرامة؟
وأين مستقبل الشباب؟
وثقت الأمم المتحدة حالات اختطاف واختفاء واعتداءات على متظاهرين وناشطين عراقيين، وأشارت إلى أن غياب المحاسبة ساهم في استمرار حالة الإفلات من العقاب.
هذه النقطة شديدة الأهمية
لأنها تكشف أن الصراع العراقي لم يكن مجرد صراع بين «سنة وشيعة»
بل كان أيضًا صراعًا بين:
المواطن والدولة العميقة وشبكات القوة والسلاح والفساد
ولهذا فإن اختزال الأصوات العراقية الرافضة للنفوذ الإيراني في «طائفية سنية» هو تبسيط شديد لواقع أكثر تعقيدًا.
سادسًا: العراق الذي لا يظهر في الإعلام
هنا نصل إلى الجانب الذي يجب أن ينتبه إليه العرب
هناك عراقيون لا يريدون إيران
لكنهم أيضًا لا يريدون أمريكا
ولا يريدون السعودية أن تحكمهم
ولا يريدون تركيا أن تحدد مستقبلهم
ولا يريدون الأردن أن يتدخل في شؤونهم
ولا يريدون أي عاصمة أخرى أن تصبح وصيًا على بغداد
هؤلاء يريدون شيئًا واحدًا:
العراق
وهذه الفئة موجودة في المجتمع العراقي، لكن حضورها الإعلامي لا يتناسب بالضرورة مع حجمها.
وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت المعادلة
فقد أصبح العراقي يستطيع أن يخاطب ملايين العرب مباشرة
يقول:
أنا عراقي
أنا عربي
أنا أريد دولة
أنا لا أريد أن يكون قرار بلادي تابعًا لأي قوة خارجية
وهذا الصوت يجب أن يُسمع.
ليس لأن كل ما يقوله صحيح بالضرورة
بل لأن من حقه أن يكون حاضرًا في النقاش.
سابعًا: لا تقعوا في الفخ الطائفي
أخطر خدمة يمكن تقديمها للنفوذ الخارجي هي تحويل النقاش إلى حرب مذهبية.
نحن لا نقول إن شيعة العراق موالون لإيران
هذه مغالطة خطيرة
بل إن في العراق شيعة عراقيين وطنيين يرفضون أن تختزل هويتهم في الولاء لإيران.
والأمر نفسه ينطبق على السنة
فليس كل سني عراقي مشروعًا سياسيًا عربيًا
وليس كل شيعي عراقي مشروعًا إيرانيًا
المعيار يجب أن يكون الولاء للدولة العراقية وسيادتها
وهذه قاعدة عادلة للجميع.
ثامنًا: لماذا يجب أن يهتم العرب؟
لأن العراق ليس دولة بعيدة عن الأمن العربي
العراق يجاور الأردن والسعودية والكويت وسوريا وإيران وتركيا
وهو يمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم
ويمتلك موقعًا جغرافيًا لا يمكن تجاهله
وأي اختراق أمني أو عسكري ينطلق من الأراضي العراقية يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة إقليمية.
وما حدث هذا الأسبوع مع الهجمات التي قالت السعودية إنها انطلقت من العراق يقدم مثالًا حيًا لا نظريًا على هذه المشكلة.
ولهذا فإن العرب ليسوا مطالبين باحتلال العراق أو التدخل في سياسته الداخلية
بل مطالبون بشيء أكثر عقلانية:
أن يدعموا سيادة العراق
تاسعًا: ماذا يعني دعم العراقيين؟
الدعم العربي لا يعني إرسال السلاح
ولا يعني صناعة ميليشيا مقابلة
ولا يعني تمويل حزب عراقي
ولا يعني إسقاط حكومة واستبدالها بأخرى
بل يعني:
فتح الإعلام العربي للأصوات العراقية المستقلة
دعم المؤسسات المدنية والثقافية العراقية
تعزيز العلاقات الاقتصادية العربية مع العراق
زيادة الاستثمارات العربية
توسيع التبادل الثقافي والأكاديمي
دعم استقلال القضاء والمؤسسات
مساندة حرية الصحافة والتعبير
تشجيع الدولة العراقية على احتكار السلاح
وبناء علاقات مباشرة مع المجتمع العراقي لا مع الأحزاب المسلحة وحدها
هذا هو الدعم الذي يحتاجه العراقيون
عاشرًا: المعركة ليست «تحرير العراق» من الخارج
وهنا يجب أن نصحح التعبير
لا نريد جيشًا عربيًا يدخل بغداد تحت شعار تحرير العراق من إيران
هذا سيكون خطأ تاريخيًا جديدًا
العراق لا يحتاج احتلالًا مضادًا
العراق يحتاج تمكين العراقيين من استعادة دولتهم
والفرق هائل
الإيرانيون يستطيعون مغادرة العراق
الأمريكيون يستطيعون مغادرة العراق
الأتراك يستطيعون مغادرة العراق
لكن العراقي سيبقى
ولهذا فإن الحل الحقيقي يجب أن يكون عراقيًا
وفي النهاية ؛
العراق يقف أمام معادلة خطيرة
دولة تريد أن تكون صاحبة القرار
وقوى سياسية ومسلحة تمتلك نفوذًا واسعًا
ومحاور إقليمية ودولية تتنافس على العراق
وشعب دفع ثمنًا باهظًا من الحروب والاحتلال والإرهاب والانقسام
لكن وسط كل ذلك هناك حقيقة يجب ألا تضيع:
العراقيون ليسوا مشروعًا إيرانيًا
وإيران ليست العراق
والحشد ليس كل العراق
والفصائل ليست كل العراقيين
والطائفة ليست الوطن
والمقاومة ليست رخصة لإلغاء الدولة
والولاء المذهبي لا يساوي الولاء السياسي لإيران
ومن يريد الدفاع عن العراق العربي عليه أن يبدأ من هنا:
أن يرى العراقي أولًا
لا أن يرى الطائفة
أن يسمع المواطن
لا أن يسمع الفصيل
أن يدعم الدولة
لا أن يبحث عن وكيل جديد
وأن يقول للعراقيين الذين يريدون وطنًا مستقلًا:
لن نترككم وحدكم
لكننا لن نقاتل بالنيابة عنكم
سنقف مع حقكم في دولة قوية
ومع حقكم في قرار عراقي مستقل
ومع حقكم في إعلام حر
ومع حقكم في محاسبة من يهدد الدولة
ومع حقكم في علاقات عربية طبيعية
ومع حقكم في أن يكون العراق للعراقيين.
فالعراق لا يحتاج إلى من يحرره باسم العرب
ولا إلى من يحكمه باسم إيران
ولا إلى من يختطفه باسم المقاومة
العراق يحتاج أن يستعيد نفسه.
وعندما يستعيد العراق نفسه
سيجد العرب أمامهم قوة عربية كبرى عادت إلى مكانها الطبيعي
لا تابعًا لأحد
ولا عدوًا لأحد
بل دولة عربية مستقلة القرار
تُقيم علاقاتها مع الجميع
لكنها لا تمنح قرارها لأحد.
العراق ليس إيران
والعراقي الذي يرفض التبعية ليس خائنًا
والعراقي الذي يريد دولة ليس طائفيًا
والعراقي الذي يريد العودة إلى محيطه العربي لا يطلب وصاية
إنه يطلب وطنًا.
وذلك
حق لا يحتاج إلى إذن من أحد.
