القادم صادم في العراق... عندما تبدأ الدولة بمطاردة الدولة العميقة
- الكاتب ماجد الفاعوري
- أخبار
- الزيارات: 545

ليست عبارة «القادم صادم» مجرد جملة عابرة تتردد في المجالس السياسية العراقية
فالسياسة لا تستخدم هذه اللغة عندما يكون كل شيء طبيعيًا
وعندما يبدأ أكثر من ملف حساس بالتحرك في الوقت نفسه فإن السؤال لا يعود
ماذا يحدث في العراق؟
بل يصبح
ماذا يُراد للعراق أن يكون بعد أن تنتهي هذه المرحلة؟
العراق يقف اليوم أمام واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ سنوات
حكومة جديدة تريد أن تقول إن الدولة قادرة على استعادة قرارها
فصائل مسلحة تقول إن سلاحها ليس مطروحًا للمساومة
واشنطن تريد عراقًا لا يكون منصة للقوى المعادية لها
وطهران تريد الحفاظ على نفوذها داخل بلد يمثل بالنسبة إليها عمقًا استراتيجيًا لا يمكن التفريط به
وفوق كل ذلك بدأت بغداد تفتح ملفات فساد تمس شبكات سياسية ومالية تكونت على مدى أكثر من عقدين
وهنا تحديدًا تبدأ القصة الحقيقية
30 سبتمبر... الموعد الذي يخشاه الجميع
حددت الحكومة العراقية يوم 30 سبتمبر 2026 موعدًا لحصر السلاح بيد الدولة بالتزامن مع اكتمال انسحاب القوات الأمريكية وقوات التحالف من العراق
الحكومة تقول إن الموعد ثابت وإن الحوار مع الفصائل يتقدم وإن الدولة لن تسمح بممارسة أدوار أمنية أو دفاعية خارج مؤسساتها الرسمية
لكن المشكلة أن بعض أقوى الفصائل لا تتعامل مع المسألة بالطريقة نفسها
فكتائب حزب الله وحركة النجباء ترفضان عمليًا التخلي عن السلاح وفق الصيغة المطروحة بينما توجد فصائل أخرى أكثر استعدادًا للتفاوض
وهنا تظهر المفارقة العراقية الكبرى
الدولة تريد احتكار السلاح
لكن بعض القوى التي تمتلك السلاح موجودة أصلًا داخل النظام السياسي
أي أننا أمام معادلة شديدة الغرابة
من يطالب الدولة باحترام القانون قد يكون هو نفسه جزءًا من المنظومة التي تمتلك القدرة على تحدي القانون
وهذه ليست مشكلة أمنية فقط
إنها مشكلة تعريف للدولة نفسها
السؤال الذي لا يريد أحد طرحه
من يملك القرار العراقي؟
هذا هو السؤال الذي تختبئ خلفه كل الأسئلة الأخرى
هل القرار في بغداد؟
أم أن بغداد مضطرة إلى مراعاة طهران؟
أم أن واشنطن ما زالت تمتلك أدوات ضغط لا تستطيع الحكومة تجاهلها؟
أم أن بعض الفصائل أصبحت تمتلك من القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية ما يجعلها دولة داخل الدولة؟
التقارير الأخيرة تشير إلى أن الفصائل المدعومة من إيران لا تزال تملك قدرات عسكرية كبيرة وترفض بعض القوى الأكثر تشددًا نزع السلاح، فيما تحاول الحكومة الوصول إلى صيغة تمنع الصدام المباشر معها
وهنا تحديدًا تكمن خطورة المرحلة
لأن الحكومة إذا تراجعت ستبدو عاجزة
وإذا واجهت الفصائل بالقوة فقد تفتح بابًا لا يعرف أحد إلى أين يقود
أما إذا نجحت في الوصول إلى تسوية تجعل السلاح تحت القيادة الفعلية للدولة فسيكون ذلك تحولًا حقيقيًا في قواعد اللعبة العراقية
أمريكا تخرج... لكن نفوذها لا يخرج بالضرورة
المشهد الأكثر خداعًا هو التعامل مع الانسحاب الأمريكي باعتباره نهاية القصة
الانسحاب العسكري المقرر في 30 سبتمبر لا يعني بالضرورة نهاية العلاقة بين بغداد وواشنطن
بل تشير المعطيات إلى انتقال العلاقة إلى إطار شراكة ثنائية أمنية وسياسية واقتصادية
لكن خروج القوات الأمريكية يزيل عنصرًا عسكريًا مهمًا من المعادلة
وهذا يفتح سؤالًا آخر
من يملأ الفراغ؟
إذا كانت الدولة العراقية هي التي ستملأه فهذه بداية مرحلة جديدة
أما إذا ملأته الفصائل أو القوى الإقليمية فإن العراق قد ينتقل من مرحلة النفوذ الأمريكي المباشر إلى مرحلة أكثر تعقيدًا من الصراع على النفوذ
والأخطر أن المنطقة نفسها ليست مستقرة
فالعراق موجود في قلب صراع إقليمي واسع
وأي فصيل عراقي يستطيع إطلاق صاروخ أو مسيّرة باتجاه طرف إقليمي يمكن أن يجر بغداد كلها إلى أزمة لا تريدها
ولهذا فإن حصر السلاح ليس مطلبًا أمنيًا داخليًا فقط
إنه أيضًا محاولة لمنع الآخرين من استخدام العراق كساحة حرب
ثم جاءت القنبلة الأكبر... الفساد
لكن المفاجأة لم تتوقف عند السلاح
الحكومة العراقية فتحت في الأشهر الأخيرة ملف الفساد بصورة أكثر شراسة
وفي 28 يونيو شهدت بغداد حملة أمنية واسعة أدت إلى اعتقال عشرات الأشخاص بينهم نواب ومسؤولون ومصادرة أموال وذهب وفق تقارير متعددة
ثم ظهرت معلومات عن مصادرة مبالغ ضخمة وكميات كبيرة من الذهب وعقارات وسيارات مرتبطة ببعض الملفات التي يجري التحقيق فيها
وهنا لا بد من التوقف
لأن العراق لا يعاني من «فساد موظف»
العراق يعاني من اقتصاد سياسي للفساد
شبكات
عقود
مؤسسات
أحزاب
شركات
وسطاء
مناصب
وأموال انتخابية
وحين تبدأ الدولة بتفكيك هذه الشبكات فإنها لا تدخل معركة مع مجموعة موظفين فاسدين
بل تدخل في مواجهة مع مصالح سياسية واقتصادية ضخمة
ولهذا وصفت مصادر حكومية ما يجري بأنه زلزال داخل الأوساط السياسية العراقية
هنا تصبح عبارة «القادم صادم» أكثر وضوحًا
لأنك عندما تجمع ملف السلاح مع ملف الفساد مع الانسحاب الأمريكي فإنك لا تتحدث عن ثلاث قضايا منفصلة
أنت تتحدث عن إعادة توزيع للقوة
السلاح يعني القوة الأمنية
الفساد يعني القوة المالية
الأحزاب تعني القوة السياسية
والعلاقات الخارجية تعني القوة الإقليمية
ومن يسيطر على هذه الملفات يمتلك القرار الحقيقي
ولهذا فإن معركة العراق المقبلة قد لا تكون معركة انتخابات أو تشكيل حكومة
بل معركة على السؤال الأكبر
من يملك العراق؟
الخطر ليس في أن تتصادم الحكومة مع الفصائل فقط
الخطر الحقيقي أن تتقاطع الملفات
حكومة تريد نزع السلاح
وفصائل تريد الاحتفاظ به
حملة فساد تضرب شبكات مالية وسياسية
انسحاب أمريكي يغير التوازن الأمني
ضغط إيراني للحفاظ على النفوذ
وضغط أمريكي لمنع العراق من التحول إلى منصة ضد واشنطن وحلفائها
وفي الخلفية اقتصاد عراقي شديد الحساسية لأي اضطراب في النفط والتجارة والأمن
هذه ليست وصفة للاستقرار
هذه وصفة لمرحلة تحتاج إلى أعصاب فولاذية
لكن هناك سيناريو أخطر
ماذا لو لم تكن القضية نزع السلاح فقط؟
ماذا لو كانت المرحلة المقبلة تهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والأحزاب والفصائل والاقتصاد السياسي كله؟
عندها سيكون ما يحدث أكبر بكثير من مجرد حملة على الفساد أو مفاوضات حول السلاح
سيكون محاولة لإغلاق مرحلة عراق ما بعد 2003 التي قامت على المحاصصة وتوزيع النفوذ بين القوى السياسية وتحويل مؤسسات الدولة إلى ساحات نفوذ متنافسة
وهو ما يناقشه محللون باعتباره أحد جذور الأزمة العراقية البنيوية
إذا نجحت الحكومة
فقد يكون العراق أمام بداية استعادة تدريجية لسلطة الدولة
أما إذا فشلت
فقد تتحول الحملة إلى مجرد جولة جديدة من تصفية الحسابات بين مراكز القوى
وهنا ستكون الصدمة الحقيقية
العراق أمام لحظة اختبار
ليس المطلوب من العراقي أن يختار بين إيران وأمريكا
وليس المطلوب منه أن يستبدل نفوذًا بنفوذ
المطلوب أن يصبح العراق عراقًا أولًا
دولة تقرر الحرب والسلم
دولة تملك السلاح
دولة تحاسب الفاسد مهما كان حزبه
دولة لا تسمح باستخدام أراضيها لضرب الآخرين
ودولة لا تحتاج إلى الاستئذان من أي عاصمة عندما يتعلق الأمر بمصلحتها الوطنية
لكن الطريق إلى ذلك لن يكون سهلًا
لأن الذين بنوا مصالحهم داخل الفوضى لن يصفقوا لمن يريد إنهاء الفوضى
والذين راكموا المال من الدولة لن يرحبوا بمن يريد استعادة الدولة
والذين بنوا قوتهم على السلاح لن يسلموا سلاحهم بسهولة
وهنا بالضبط يمكن فهم عبارة
«القادم صادم»
فالصدمة قد لا تكون حربًا
وقد لا تكون انقلابًا
وقد لا تكون انهيارًا
قد تكون ببساطة أن تبدأ الدولة العراقية للمرة الأولى منذ سنوات بمحاولة فعل شيء كان الجميع يعرف أنه ضروري
أن تصبح الدولة دولة فعلًا
وحين تبدأ الدولة بمطاردة السلاح والمال والنفوذ في الوقت نفسه
فإن السؤال لم يعد هل سيحدث تغيير في العراق
بل
من سيدفع ثمن هذا التغيير؟
وهذا هو السؤال الذي يجعل الأسابيع المقبلة أكثر أهمية من أي عنوان عابر
لأن العراق لا يقف أمام أزمة جديدة فقط
العراق يقف أمام اختبار لمن يملك القرار العراقي
