محمد بن سلمان في القاهرة وإعادة تشكيل خريطة الأمن العربي
- الكاتب ماجد الفاعوري
- أخبار
- الزيارات: 490

لم تأت زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في لحظة عادية من تاريخ المنطقة ولم تكن القاهرة في هذا التوقيت مجرد محطة دبلوماسية في برنامج زيارة عمل عابرة فالمشهد الإقليمي الذي تستقبل فيه مصر ولي العهد السعودي يختلف جذريًا عن المشهد الذي كانت عليه المنطقة قبل أشهر فالحرب مع إيران تركت آثارها على أمن الخليج والطاقة والملاحة والحوثيون يوسعون دائرة الضغط في اليمن والبحر الأحمر والعراق أصبح حاضرًا في معادلة استهداف المصالح السعودية وسوريا ما زالت ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل النفوذ فيما تبقى غزة العقدة الأكثر حساسية في صراع إقليمي يتداخل فيه الأمن بالسياسة والجغرافيا بالديموغرافيا
ولهذا فإن قراءة الزيارة باعتبارها مجرد تأكيد للعلاقات المصرية السعودية أو مناسبة لبحث الاستثمارات والتعاون الاقتصادي تبقى قراءة ناقصة فالتوقيت وحده يكشف أن السياسة والأمن الإقليميين يحتلان موقعًا متقدمًا في الحسابات المصرية والسعودية وقد رجح خبراء مصريون أن تكون التطورات المرتبطة باليمن والبحر الأحمر وباب المندب من الملفات الأساسية في المحادثات نظرًا إلى ارتباطها المباشر بالأمن القومي للدولتين
القاهرة والرياض تعرفان أن ما يجري في المنطقة لم يعد سلسلة أزمات منفصلة يمكن معالجة كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى فما يحدث في إيران ينعكس على الخليج وما يحدث في اليمن ينعكس على البحر الأحمر وما يحدث في العراق يطال أمن الطاقة السعودي وما يحدث في سوريا يطال الأردن والعراق ولبنان وما يحدث في غزة يضع مصر والأردن أمام استحقاقات أمنية وسياسية مباشرة ولذلك فإن جوهر الزيارة يمكن قراءته باعتباره محاولة لتنسيق المواقف العربية في مرحلة تتراجع فيها قدرة الترتيبات السابقة على ضبط الإقليم وتتزايد فيها الحاجة إلى أن تكون الدول العربية نفسها صاحبة القرار في رسم شكل المنطقة المقبلة
بالنسبة إلى إيران تبدو الرسالة الأهم في التقارب المصري السعودي أقل صخبًا من إعلان مواجهة مباشرة وأكثر عمقًا من ذلك فالسعودية لا تريد حربًا إقليمية مفتوحة تستنزف اقتصادها ومشاريعها التنموية ومكانتها الدولية لكنها في الوقت نفسه لم تعد مستعدة للتعامل مع الضغط الإيراني باعتباره شأنًا خليجيًا محدودًا إذ إن ما حدث خلال الفترة الأخيرة أثبت أن أدوات الضغط على السعودية يمكن أن تأتي من أكثر من اتجاه وأن إيران تستطيع استخدام ساحات نفوذها في المنطقة لتوسيع نطاق التهديد لذلك فإن توثيق العلاقة مع القاهرة يمنح الرياض عمقًا عربيًا وسياسيًا لا يمكن تجاهله
المعادلة الجديدة تبدو واضحة فمصر لا تريد الذهاب إلى حرب مع إيران والسعودية أيضًا لا تبحث عن مواجهة مفتوحة لكنها تريدان أن تعرف طهران أن استهداف الأمن العربي لن يبقى داخل حدود الدولة المستهدفة وأن الأمن الخليجي أصبح مرتبطًا بالأمن القومي العربي الأوسع وهذا من أكثر التحولات أهمية لأن الخطر الإيراني لم يعد يُقاس فقط بحجم الصواريخ أو الطائرات المسيرة وإنما بحجم الشبكات الممتدة عبر العراق وسوريا واليمن ولبنان وقدرة هذه الشبكات على الضغط في أكثر من جبهة في الوقت نفسه
ومن هنا يصبح اليمن أكثر من مجرد ملف يمني فالرياض تواجه في الوقت الراهن تصعيدًا حوثيًا جديدًا استهدف مواقع سعودية فيما يواصل الحوثيون التمدد على الساحل الغربي لليمن ويقتربون أكثر من عقدة باب المندب الاستراتيجية وقد ربطت رويترز بين التصعيد الحوثي الحالي وبين الضغوط على صادرات النفط السعودية وأمن الملاحة في البحر الأحمر
وهذا التطور يعيد اليمن إلى مركز الحسابات السعودية المصرية لأن باب المندب ليس مضيقًا يمنيًا فقط وإنما أحد المفاتيح الجغرافية التي تربط البحر الأحمر بقناة السويس وبالتجارة العالمية ومصالح الطاقة الخليجية ومع تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز أيضًا تصبح المنطقة كلها أمام معادلة جيوسياسية شديدة الخطورة تقوم على الضغط على الممرات البحرية من الشرق والجنوب في وقت واحد وقد سجلت حركة السفن في هرمز انخفاضًا حادًا بالتزامن مع التصعيد الإقليمي كما تأثرت حركة الملاحة في باب المندب نفسه
ومن هنا يمكن فهم لماذا لا تستطيع القاهرة أن تتعامل مع ما يحدث في اليمن على أنه حرب بعيدة عن أمنها القومي فقناة السويس مرتبطة مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب وكل تهديد للممر البحري يعني تهديدًا للتجارة المصرية ومصالحها الاقتصادية كما أن السعودية تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره جزءًا أساسيًا من أمنها الوطني ومن منظومة تصدير الطاقة ولذلك يصبح التنسيق بين القاهرة والرياض في هذه الجغرافيا مسألة تتجاوز التضامن السياسي إلى ضرورات الأمن القومي
أما العراق فإنه يمثل الحلقة الأكثر تعقيدًا في هذه المعادلة لأن بغداد تقع في قلب المسافة بين السعودية وإيران والعراق لم يعد قادرًا على البقاء خارج حسابات الصراع الإقليمي فالتوتر مع إيران ينعكس على الداخل العراقي وفي الوقت نفسه أصبحت الأراضي العراقية ومجالها الجغرافي موضع اهتمام كل من الرياض وطهران وقد أفادت رويترز بأن هجمات نسبت إلى جماعات موالية لإيران عطلت جزءًا من خط الأنابيب السعودي شرق غرب الذي يمثل مسارًا حيويًا لنقل النفط بعيدًا عن مضيق هرمز
وهنا تظهر أهمية القاهرة بالنسبة إلى الرياض في الملف العراقي فالسعودية لا تريد عراقًا معاديًا لكنها تريد عراقًا صاحب قرار وأمنًا عراقيًا لا تتحول أراضيه إلى منصة لضرب الجوار العربي ومصر من جهتها تملك قدرة تاريخية وسياسية على التواصل مع بغداد والدخول إلى المعادلة العراقية من بوابة الدولة والجيش والمؤسسات وليس من بوابة المحاور ولذلك فإن التنسيق السعودي المصري يمكن أن يدعم فكرة عراق عربي متوازن يحافظ على علاقته بجيرانه من دون أن يصبح امتدادًا لأي قوة إقليمية
وفي سوريا تتكرر المعادلة ولكن بصورة مختلفة فخروج النفوذ الإيراني أو تراجعه لا يعني انتهاء المشكلة لأن الفراغ الذي قد ينشأ يمكن أن يصبح مجالًا لتوسع نفوذ قوى أخرى والسعودية ومصر لديهما مصلحة مشتركة في ألا تتحول سوريا إلى ساحة مفتوحة للتنافس الإيراني التركي الإسرائيلي والدولي على حساب الدولة السورية نفسها ولذلك فإن المقاربة العربية الأكثر عقلانية تقوم على دعم وحدة الدولة السورية وسيادتها ومنع تفكيك البلاد إلى مناطق نفوذ دائمة
أما الأردن فإنه ربما يكون الدولة العربية الأكثر تأثرًا بأي إعادة ترتيب للخريطة الإقليمية لأن حدوده مرتبطة بسوريا وفلسطين والعراق وإسرائيل ولأن كل تحول في هذه الجبهات ينعكس مباشرة على أمنه واستقراره ولذلك فإن أي تنسيق مصري سعودي واسع سيكون بالنسبة إلى عمان ذا قيمة استراتيجية كبيرة خصوصًا في ملفي سوريا وفلسطين وما يتصل بهما من مخاطر التهجير والتوطين وتغيير التوازن الديموغرافي في المنطقة
وهنا نصل إلى غزة حيث تلتقي غالبية الخيوط في ملف واحد فغزة لم تعد مجرد قضية فلسطينية معزولة وإنما أصبحت نقطة التقاء للأمن المصري والأردني والسعودي وللتنافس الإسرائيلي الإيراني وللحسابات الأمريكية والدولية ولذلك فإن السؤال بالنسبة إلى القاهرة والرياض لم يعد كيف تتوقف الحرب فقط وإنما كيف تتم إدارة اليوم التالي للحرب ومن يدفع إعادة الإعمار ومن يضمن بقاء الفلسطينيين على أرضهم ومن يمنع تحويل القطاع إلى ساحة صراع دائم ومن يحول دون فرض ترتيبات سياسية أو أمنية تنتقص من الحقوق الفلسطينية
مصر تمتلك بحكم الجغرافيا والدور التاريخي مفاتيح رئيسية في القضية الفلسطينية والسعودية تمتلك الوزن السياسي والاقتصادي العربي الذي يجعل موقفها بالغ الأهمية ولذلك فإن أي تنسيق بين البلدين في ملف غزة يمكن أن يتحول إلى عنصر ضغط عربي أكبر باتجاه إعادة الإعمار ورفض التهجير والتمسك بحل سياسي للقضية الفلسطينية وقد كان الموقف المصري السعودي خلال الفترة الماضية واضحًا في رفض تهجير الفلسطينيين خارج أرضهم والتأكيد على إقامة الدولة الفلسطينية باعتبارها أساسًا للاستقرار الإقليمي
وهنا أيضًا تدخل إسرائيل في قلب الحسابات فالسعودية تدرك أن أي تطبيع كامل مع إسرائيل في المستقبل سيكون له ثمن سياسي إقليمي وأن الورقة السعودية لا تتعلق بالعلاقات الثنائية مع إسرائيل فقط وإنما بموقع المملكة داخل النظام العربي والإسلامي ولذلك فإن التنسيق مع مصر يمكن أن يرفع من قدرة الجانب العربي على وضع شروط سياسية أكثر وضوحًا أمام أي تسوية إقليمية مقبلة ومصر التي تمثل بوابة غزة الأساسية ستحتاج بدورها إلى دعم عربي واسع في مواجهة أي محاولة لتصفية القضية الفلسطينية عبر التهجير أو فرض وقائع جديدة على الأرض
إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس وجود خلاف بين هذه الأطراف أو تلك وإنما احتمال أن تنجح القوى الإقليمية والدولية في إعادة رسم المنطقة كل منها وفق مصالحه الخاصة بينما يظل القرار العربي موزعًا بين ردود أفعال منفردة ولذلك فإن العبارة التي بدأت تظهر في التحليل المصري حول أن القاهرة والرياض قادرتان على إرسال رسائل إلى القوى التي تهدد أمن المنطقة ليست مجرد توصيف إعلامي بل تعكس إدراكًا متزايدًا بأن ثقل مصر والسعودية معًا يمكن أن يشكل أحد مراكز إعادة التوازن الإقليمي
السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والطاقة والوزن الخليجي ومصر تمتلك الجيش والسكان والجغرافيا وقناة السويس والقدرة على التواصل مع المشرق العربي والأردن يمثل عقدة استراتيجية في ملفات فلسطين وسوريا والعراق والعراق يمثل عمقًا شرقيًا بالغ الأهمية وإذا استطاعت هذه الدول تطوير مستويات أعلى من التنسيق فإن المنطقة قد تنتقل تدريجيًا من حالة تعدد المحاور المتنافسة إلى شبكة أمن عربي أكثر ترابطًا
وهنا يجب التوقف عند مسألة بالغة الأهمية وهي أن هذا لا يعني بالضرورة ولادة حلف عسكري عربي رسمي ولا يعني أن القاهرة والرياض تستعدان لحرب شاملة ضد إيران أو إسرائيل بل قد يكون الهدف أكثر واقعية وهو بناء قدرة عربية على الردع السياسي والأمني وإدارة الأزمات بدل تركها للأطراف الخارجية فالمطلوب في هذه المرحلة ليس إعلان حرب وإنما امتلاك قدرة تجعل أي طرف يفكر طويلًا قبل أن يفرض على العرب وقائع جديدة بالقوة
ولهذا فإن زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة يجب ألا تقرأ من زاوية البيانات الرسمية وحدها فالمعنى الأعمق للزيارة موجود في الخريطة وفي الجغرافيا وفي توقيت التصعيد فمن هرمز إلى باب المندب ومن العراق إلى سوريا ومن غزة إلى الأردن تتشكل دائرة أمنية واحدة ولم يعد ممكنًا فصل هذه الملفات بعضها عن بعض
قد تكون أهم نتيجة سياسية للزيارة إذا ما تطورت إلى خطوات عملية هي إعادة تثبيت القاهرة والرياض باعتبارهما مركزين عربيين قادرين على إنتاج موقف إقليمي لا مجرد الاستجابة لمواقف الآخرين فالأمن العربي لا يمكن أن يبقى موزعًا بين عواصم دولية وإقليمية ترسم لكل دولة عربية حدود حركتها ومصالحها
المسألة في النهاية ليست زيارة ولي عهد إلى عاصمة عربية بقدر ما هي اختبار لقدرة الدول العربية الكبرى على استعادة زمام المبادرة ففي لحظة تتعرض فيها السعودية لضغوط من الشرق والجنوب وتتعرض فيها مصر لضغوط مرتبطة بالبحر الأحمر وغزة وفي وقت يعيش فيه العراق وسوريا مرحلة إعادة تشكيل ويبقى الأردن على خط تماس دائم مع تداعيات فلسطين وسوريا فإن القاهرة والرياض أمام فرصة استراتيجية لإعادة بناء مركز عربي يستطيع أن يتحدث بلغة المصالح والقوة والردع لا بلغة الانتظار ورد الفعل
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح بعد زيارة محمد بن سلمان إلى القاهرة ليس ماذا قيل في الاجتماعات فقط وإنما هل بدأت الرياض والقاهرة بالفعل في صياغة رؤية مشتركة لما بعد الحرب مع إيران وما بعد أزمة اليمن وما بعد حرب غزة وهل تتجهان إلى بناء شبكة عربية قادرة على حماية أمن الخليج والبحر الأحمر والدولة الوطنية في العراق وسوريا ومنع تحويل فلسطين إلى بوابة لإعادة رسم المنطقة ديموغرافيًا وسياسيًا
إذا حدث ذلك فإن زيارة القاهرة لن تكون مجرد زيارة سياسية مهمة بل قد تصبح واحدة من اللحظات التي بدأ فيها مركز الثقل العربي ينتقل من موقع المتلقي للخرائط التي يرسمها الآخرون إلى موقع الشريك الذي يحاول رسم الخريطة بنفسه
ماجد الفاعوري
