حين يذهب الملك إلى أبوظبي برفقة ولي العهد.. الأردن والإمارات أمام مرحلة أعمق من التنسيق
- الكاتب ماجد الفاعوري
- أخبار
- الزيارات: 413

لم تكن زيارة الملك عبدالله الثاني إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في الثالث عشر من أيلول 2026 مجرد زيارة أخوية قصيرة بين قيادتين تربطهما علاقات تاريخية راسخة فالمشهد الذي خرج من أبوظبي كان يحمل في توقيته وتركيبته أكثر من رسالة سياسية واحدة فالملك ذهب إلى أبوظبي وبرفقته ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني بينما كان في مقدمة مستقبليه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وهي صورة تختصر جانباً من طبيعة العلاقة بين عمّان وأبوظبي لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام قراءة أوسع لما يجري في الإقليم وما الذي تريده الدولتان من المرحلة المقبلة
الزيارة نفسها كانت قصيرة زمنياً لكنها ليست قصيرة في دلالاتها فقد عقد الملك عبدالله الثاني والشيخ محمد بن زايد مباحثات في قصر الشاطئ بأبوظبي بحضور الأمير الحسين ورئيس الوزراء جعفر حسان ووزير الخارجية أيمن الصفدي وعدد من كبار المسؤولين من الجانبين وكانت الملفات المطروحة تتوزع بين العلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي والتجاري والتنموي وبين التطورات الإقليمية وفي مقدمتها أمن المنطقة والاستقرار والضفة الغربية والقدس
وهنا تبدأ أهمية الزيارة الحقيقية
فالعلاقات الأردنية الإماراتية لم تعد محصورة في إطار المجاملات السياسية التقليدية ولا في البيانات التي تتحدث عن عمق العلاقات الأخوية بل انتقلت خلال السنوات الأخيرة إلى مستوى يرتبط مباشرة بالبنية الاقتصادية والتنموية للدولتين فقد دخلت اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين الإمارات والأردن حيز النفاذ في أيار 2025 وهي الاتفاقية الأولى من هذا النوع للإمارات مع دولة عربية وتهدف إلى زيادة التجارة والاستثمار وتوسيع التعاون الاقتصادي وسلاسل التوريد مع تحرير أكثر من 98 بالمئة من البنود الجمركية التي تغطي أكثر من 99.5 بالمئة من الصادرات الإماراتية إلى الأردن وفق وزارة الاقتصاد الإماراتية
وهذا يعني أن حديث القيادتين خلال الزيارة عن الاقتصاد لم يكن حديثاً جانبياً يمكن وضعه في آخر البيان فالأردن ينظر إلى الإمارات باعتبارها شريكاً استثمارياً وتمويلياً مهماً فيما تنظر أبوظبي إلى الأردن باعتباره دولة ذات موقع جغرافي واستراتيجي يربط المشرق العربي بالأسواق الإقليمية ويملك قطاعات يمكن أن تكون جزءاً من منظومة أوسع للنقل والطاقة والأمن الغذائي والخدمات
ولعل الاتفاق الذي جرى في نيسان 2026 لتطوير شبكة السكك الحديدية في الأردن وإنشاء شركة إماراتية أردنية للسكك الحديدية يقدم مثالاً واضحاً على طبيعة التحول من العلاقات السياسية إلى المشاريع ذات الطابع الاستراتيجي فالبرنامج يتضمن خطاً بطول 360 كيلومتراً يربط مناطق التعدين في الشيدية وغور الصافي بميناء العقبة لنقل نحو 16 مليون طن سنوياً من الفوسفات والبوتاس باستثمار يبلغ 2.3 مليار دولار
والأكثر دلالة أن أبوظبي واصلت خلال 2026 تقديم تمويلات وبرامج تنموية للأردن ففي آب الماضي أعلن صندوق أبوظبي للتنمية اتفاق تمويل بنحو 1.1 مليار درهم أي ما يعادل 300 مليون دولار لدعم الموازنة الأردنية والبرامج التنموية كما تشير بيانات الصندوق إلى أن تمويلاته للمشاريع الاستراتيجية في الأردن تجاوزت 9.4 مليار درهم منذ 1974
لكن الاقتصاد ليس سوى الوجه الأول لهذه الزيارة
الوجه الثاني أكثر ارتباطاً بالخريطة السياسية للشرق الأوسط
فالملك عبدالله الثاني حمل إلى أبوظبي موقفاً واضحاً بشأن الضفة الغربية والقدس إذ حذّر خلال المباحثات من الإجراءات الإسرائيلية المتعلقة بضم الأراضي وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية ومن الانتهاكات التي تتعرض لها المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس
أما الجانب الإماراتي والأردني فقد أكدا في البيان المشترك استمرار التشاور والتنسيق حول تطورات الشرق الأوسط بما يدعم جهود ترسيخ الأمن والاستقرار المستدام في المنطقة
وهذه النقطة تحديداً تستحق قراءة أعمق لأن الأردن والإمارات يتحركان في بيئة إقليمية شديدة التعقيد تتداخل فيها حرب غزة والضفة الغربية والملف الفلسطيني مع أمن الخليج ومستقبل سوريا والعراق وإيران والعلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل
الأردن ينطلق في هذه الملفات من موقع جغرافي وسياسي حساس فهو الدولة التي تقع في قلب المشرق العربي وتشترك بحدود مع سوريا والعراق وفلسطين والسعودية فيما تشكل القدس والضفة الغربية جزءاً مركزياً من حساباته الأمنية والسياسية والدبلوماسية ولهذا فإن أي تغير في الضفة الغربية أو أي محاولة لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي أو الجغرافي هناك لا يمكن أن ينظر إليه في عمان باعتباره شأناً فلسطينياً منفصلاً عن الأمن الوطني الأردني
وفي المقابل فإن الإمارات تتحرك من موقع مختلف يقوم على ثقل اقتصادي ومالي واسع وعلاقات دولية متعددة ومسارات دبلوماسية مع أطراف إقليمية ودولية مختلفة ولذلك فإن التنسيق الأردني الإماراتي يلتقي في مساحة تتجاوز العلاقات الثنائية نحو إدارة المخاطر الإقليمية ومحاولة التأثير في شكل المرحلة المقبلة
ومن هنا تأتي دلالة حضور الأمير الحسين في المباحثات
وجود ولي العهد إلى جانب الملك ليس تفصيلاً بروتوكولياً هامشياً بل يعكس عملياً انتقال ملفات الدولة والعلاقات الخارجية تدريجياً إلى جيل القيادة المقبل ضمن الإطار المؤسسي للدولة الأردنية فقد كان الأمير الحسين حاضراً في صلب الاجتماع بين الملك ورئيس دولة الإمارات وليس في مشهد استقبال أو مناسبة بروتوكولية فقط
وهذه الصورة تحمل معنى مؤسسياً قبل أن تكون شخصياً
فالملك عبدالله الثاني يدير شبكة علاقات تراكمت عبر عقود مع قيادات عربية ودولية بينما يظهر الأمير الحسين بصورة أكثر انتظاماً في اللقاءات الإقليمية والدولية الكبرى الأمر الذي يجعل وجوده في مثل هذه الاجتماعات جزءاً من عملية بناء الاستمرارية السياسية والدبلوماسية للدولة الأردنية وليس مجرد مرافقة لوالده
وفي الجانب الآخر كان حضور الشيخ خالد بن محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي ضمن اللقاء الإماراتي ليؤكد بدوره أن العلاقة الأردنية الإماراتية تُدار أيضاً على مستوى الجيل القيادي القادم
وهنا يصبح المشهد أكثر وضوحاً
الملك عبدالله والشيخ محمد بن زايد يناقشان ملفات المنطقة الحالية لكن وجود وليي العهد في المشهد يضيف طبقة زمنية أخرى للنقاش وهي أن العلاقات التي تُبنى اليوم يجب أن تمتلك قابلية للاستمرار غداً
وهذه ليست مسألة شخصية بين قيادتين بقدر ما هي مسألة مصالح دولة
فالأردن يحتاج إلى شراكات اقتصادية طويلة الأمد وإلى استثمارات ومشاريع بنية تحتية ودعم سياسي في الملفات التي تمس أمنه الوطني فيما تحتاج الإمارات إلى شبكة علاقات مستقرة مع الدول العربية ذات الموقع الاستراتيجي في المشرق وتحديداً الدول القادرة على لعب أدوار دبلوماسية وسياسية في ملفات فلسطين وسوريا والعراق وأمن المنطقة
ومن هذه الزاوية يمكن فهم لماذا تزامن الحديث عن الاقتصاد مع الحديث عن أمن المنطقة
فالمعادلة الإقليمية الجديدة لم تعد تفصل الأمن عن الاقتصاد كما كانت تفعل الدبلوماسية التقليدية
الموانئ والطرق والطاقة وسلاسل التوريد والاستثمارات أصبحت جزءاً من الأمن الاستراتيجي للدول كما أن الاستقرار السياسي أصبح شرطاً لحماية الاستثمارات والممرات التجارية
والأردن يحتل موقعاً مهماً في هذه المعادلة بسبب العقبة وموقعه بين الخليج والعراق والشام وفلسطين فيما تمتلك الإمارات أدوات مالية ولوجستية واستثمارية واسعة ولذلك فإن المشاريع المشتركة مثل السكك الحديدية ليست مجرد مشاريع اقتصادية منفردة بل يمكن قراءتها ضمن بناء شبكات ربط إقليمي طويلة الأجل
لكن السؤال الأكبر يبقى فلسطين
فالقدس والضفة الغربية وغزة لا تزال في قلب التحولات العربية والإقليمية والزيارة أكدت أن هذا الملف حاضر في العلاقة الأردنية الإماراتية على مستوى القيادة وليس مجرد ملف دبلوماسي عابر
الأردن يواصل التأكيد على حل الدولتين ورفض التهجير والضم والتغييرات أحادية الجانب في الضفة والقدس بينما تؤكد الإمارات كذلك دعمها للقضية الفلسطينية عبر خطاب دبلوماسي يركز على الأمن والاستقرار والحل السياسي وقد أكد الطرفان خلال لقاء الثالث عشر من أيلول ضرورة استمرار التنسيق في مواجهة التطورات الإقليمية
لكن أهمية أبوظبي بالنسبة إلى عمان لا تتوقف عند فلسطين
هناك سوريا التي تمثل بالنسبة للأردن قضية أمن حدود وتجارة وتهريب واستقرار وهناك العراق الذي يمثل عمقاً جغرافياً واقتصادياً مباشراً وهناك الخليج الذي يمثل مساحة اقتصادية واستراتيجية للأردن وهناك إيران التي أصبحت أدوارها الإقليمية جزءاً من حسابات الأمن العربي وهناك إسرائيل التي ترتبط قراراتها في الضفة وغزة والقدس مباشرة بالمصالح الأردنية
وفي كل هذه الملفات يبرز عامل مشترك واحد وهو أن الأردن لا يستطيع التعامل مع التحولات الإقليمية بمنطق الملف المنفرد
ولهذا فإن العلاقة مع الإمارات تمنحه مساحة إضافية للتنسيق العربي في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة تشكيل كبيرة للتحالفات والأدوار وموازين النفوذ
ومع ذلك فإن من الخطأ قراءة الزيارة باعتبارها إعلاناً عن محور جديد أو اصطفاف عسكري وسياسي مغلق فلا البيانات الرسمية الأردنية ولا الإماراتية التي صدرت بشأن الاجتماع أعلنت عن تشكيل تحالف جديد أو اتفاق سياسي موجه ضد طرف بعينه بل تحدثت عن تعزيز العلاقات والتعاون الاقتصادي والتجاري والتنموي ومواصلة التشاور والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية
وهذه نقطة مهمة لأن قوة العلاقات بين الدول لا تحتاج بالضرورة إلى تحويلها إلى محاور معلنة
أحياناً تكون السياسة الأكثر تأثيراً هي التي تتحرك عبر الاقتصاد والدبلوماسية والمشاريع طويلة الأمد والتنسيق الهادئ بدلاً من البيانات الصاخبة
زيارة الملك عبدالله الثاني إلى أبوظبي بهذا المعنى يمكن النظر إليها باعتبارها حلقة في مسار أوسع لا باعتبارها حدثاً منفصلاً
مسار يربط الأردن بالإمارات في الاقتصاد والاستثمار والنقل والتنمية ويضع العلاقات السياسية في مستوى يتناسب مع التحولات التي يعيشها الشرق الأوسط
أما حضور الأمير الحسين في قلب هذه المباحثات فيعطي الزيارة بعداً إضافياً يتعلق باستمرارية الدولة والعلاقات الخارجية الأردنية
فالصورة التي خرجت من أبوظبي لم تكن فقط ملك الأردن يلتقي رئيس الإمارات
الصورة كانت قيادة حالية وقيادة قادمة تجلسان في غرفة واحدة أمام إقليم يتغير بسرعة
وهنا تكمن الرسالة الأهم
الأردن والإمارات لا يناقشان فقط ما يجري اليوم بل يبنيان علاقات يفترض أن تبقى قادرة على التعامل مع ما سيأتي غداً
وفي منطقة تتبدل فيها التحالفات وتتغير فيها خرائط المصالح وتصبح الحدود بين الأمن والاقتصاد والسياسة أكثر ضبابية فإن السؤال لم يعد هل العلاقات الأردنية الإماراتية قوية فقط
السؤال الحقيقي هو إلى أي مدى يمكن تحويل هذه العلاقة إلى قدرة فعلية على حماية المصالح الوطنية وبناء اقتصاد أكثر ارتباطاً بالمنطقة والتعامل مع ملفات فلسطين وسوريا والعراق وأمن الخليج ضمن شبكة عربية أكثر تنسيقاً
وهذه هي الزاوية التي تجعل زيارة أبوظبي أكبر من موعد دبلوماسي في جدول الملوك والرؤساء
إنها جزء من محاولة رسم موقع الأردن في الشرق الأوسط الذي يتشكل الآن
ومع الملك عبدالله الثاني كان الأمير الحسين حاضراً
أي أن الرسالة لم تكن للحاضر وحده بل حملت معها بوضوح ملامح المستقبل أيضاً.
