نضع أيدينا بيد الشيطان من أجل حماية مصالحنا؟
- الكاتب ماجد الفاعوري
- أخبار
- الزيارات: 490

شرق أوسط جديد يتشكل وقنوات جديدة ستفتح وإبرهة عصره ميليشيا الحوثي
ثمة سؤال لم يعد من الممكن الهروب منه في الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل أمام أعيننا
هل وصل العرب إلى اللحظة التي أصبح فيها مبررًا لبعضهم أن يضع يده في يد من كان بالأمس خصمًا استراتيجيًا من أجل حماية مصالحه لأن البديل هو أن تتحول مصالحه إلى رهينة لدى خصوم آخرين؟
ليس السؤال هنا أخلاقيًا بالمعنى البسيط ولا هو دعوة إلى تبرئة أحد أو إدانة أحد
السؤال سياسي واستراتيجي
فالدول لا تتحرك في الفراغ والدول العربية اليوم تجد نفسها في منطقة تتغير فيها موازين القوة وتتداخل فيها الحروب بالموانئ والسكك الحديدية وخطوط النفط والغاز والكابلات البحرية والممرات التجارية والأمن الإقليمي
ولذلك فإن ما يجري ليس مجرد حرب في اليمن ولا صراع بين إيران وإسرائيل ولا حرب في غزة ولا منافسة بين السعودية وإيران
ما يجري أوسع من ذلك بكثير
إنه صراع على من يملك القدرة على رسم شبكة الشرق الأوسط الذي سيأتي
فالمنطقة التي كانت تقاس فيها القوة بعدد الدبابات والطائرات والجيوش أصبحت تقاس أيضًا بعدد الموانئ
التي يمكن الوصول إليها وبعدد السكك التي يمكن تشغيلها وبعدد خطوط النفط التي يمكن حمايتها وبقدرة الدولة على أن تكون عقدة في طريق التجارة بدل أن تكون مجرد دولة تقع بجوار الطريق
وهنا تبدأ القصة الحقيقية
مكة في قلب الخريطة الجديدة
في 16 سبتمبر 2026 قالت السعودية إن دفاعاتها اعترضت ودمرت طائرة مسيرة أطلقتها جماعة الحوثي جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور فوق المدينة فيما نفى الحوثيون استهداف مكة أو المواقع الدينية وأعلنت الرياض أن أمن المدينة المقدسة يمثل خطًا أحمر.
هذه الواقعة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها حادثًا عسكريًا منفصلًا عن بقية المشهد
فالحوثيون الذين خاضوا لسنوات حربًا داخل اليمن أصبحوا لاعبًا يملك القدرة على التأثير في أحد أهم الممرات
البحرية في العالم عند باب المندب وعلى تهديد منشآت سعودية وعلى إدخال أمن البحر الأحمر وأمن الطاقة
في صلب معادلة الحرب الإقليمية
وتقول رويترز إن الهجوم الحوثي الأخير في اليمن وسّع سيطرة الجماعة على أجزاء استراتيجية من ساحل البحر الأحمر وعزّز قدرتها على التأثير في باب المندب الذي يمثل عقدة أساسية في حركة التجارة والطاقة العالمية.
ومن هنا يصبح تشبيه الحوثيين بـ«إبرهة عصره» في الخطاب السياسي العربي استعارة عن الخطر الذي اقترب من فضاء الحرمين وليس وصفًا تاريخيًا حرفيًا
لكن الخطر الحقيقي أوسع من الاستعارة
الخطر هو أن يصبح أمن مكة وباب المندب وخطوط النفط وموانئ البحر الأحمر جزءًا من صراع دولي على
طرق التجارة والطاقة
وهنا نصل إلى السؤال الذي يجب أن يشغل العرب
لماذا أصبح أمن المصالح العربية محتاجًا إلى مظلات دولية وإقليمية متشابكة بدل أن يكون للعرب مشروعهم الأمني والاقتصادي المستقل؟
الشرق الأوسط الجديد ليس مجرد شعار
منذ سنوات يتكرر الحديث عن «شرق أوسط جديد» لكن المصطلح اكتسب اليوم معنى أكثر مادية من السابق
فالشرق الأوسط لا يعاد رسمه بالكلمات وحدها
إنه يعاد رسمه بالموانئ والسكك والأنابيب والمعابر
وأهم مثال معلن هو ممر الهند ـ الشرق الأوسط ـ أوروبا IMEC
فالمذكرة الموقعة في 9 سبتمبر 2023 بين الولايات المتحدة والهند والسعودية والإمارات والاتحاد الأوروبي
ودول أوروبية أخرى تنص على إنشاء ممر اقتصادي يتكون من ممر شرقي يربط الهند بالخليج وممر شمالي
يربط الخليج بأوروبا ويتضمن شبكة سكك ونقلًا بحريًا وربطًا للبضائع بين الهند والإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل وأوروبا.
وهنا يجب التوقف
المشروع ليس مجرد خط قطار
فالمذكرة تتحدث أيضًا عن الكهرباء والكابلات والاتصالات والطاقة والهيدروجين
أي أننا أمام بنية تحتية يمكن أن تتحول إلى بنية نفوذ
ومن يملك عقدة من هذه الشبكة لا يملك سكة فقط وإنما يمتلك وزنًا في الاقتصاد وفي السياسة وفي أمن الإمدادات
لكن هناك أمرًا أكثر أهمية
هذا الممر لم يبدأ من الصفر
فالمنطقة كانت تتجه أصلًا نحو ربط شبكات النقل والطاقة منذ سنوات طويلة
بل إن الأمم المتحدة توثق اتفاقية السكك الحديدية الدولية بين الدول العربية الموقعة في بيروت عام 2003
والتي دخلت حيز التنفيذ عام 2005 وكان هدفها إنشاء شبكة تربط المشرق العربي وتدعم التجارة والسياحة والتكامل الإقليمي.
أي أن العرب لم يكونوا غافلين عن أهمية الممرات
المفارقة أنهم امتلكوا الفكرة قبل أن يملكوا القدرة السياسية والاقتصادية على تحويلها إلى واقع متكامل
الممر الذي يمر عبر حيفا
قبل IMEC بسنوات كانت إسرائيل تطرح فكرة الربط الحديدي بين ميناء حيفا وشبكة الأردن ثم السعودية والخليج
واليوم أصبحت حيفا جزءًا من تصور الممر الاقتصادي المعلن الذي يمكن أن ينقل البضائع من آسيا والخليج إلى المتوسط ثم أوروبا.
وهنا تتغير قيمة ميناء حيفا
فالميناء ليس مجرد منشأة إسرائيلية
في حال اكتمال شبكة الممرات يصبح الميناء عقدة على طريق دولي يصل آسيا بالخليج ثم المشرق فالضفة المتوسطية وأوروبا
وبالتالي تصبح السيطرة على العقدة جزءًا من الجغرافيا السياسية
وهنا يمكن فهم سبب الصراع على الممرات بدل الاكتفاء بقراءة الصراع من زاوية الحدود
الأردن ليس على الهامش
الأردن يجد نفسه في قلب هذه الخريطة بحكم الجغرافيا
فوزارة النقل الأردنية تقول إن مشروع السكك الوطنية يستهدف ربط عمان والزرقاء والمفرق والعقبة ومناطق التعدين وربط الشبكة مستقبلًا بالسعودية وسوريا ومنها إلى تركيا وأوروبا إضافة إلى الأسواق العراقية.
وفي أبريل 2026 وقعت الإمارات والأردن اتفاقًا لتطوير شبكة سكك بطول 360 كيلومترًا تربط مناطق التعدين في الشيدية وغور الصافي بميناء العقبة باستثمار يبلغ 2.3 مليار دولار وطاقة نقل تصل إلى 16 مليون طن من الفوسفات والبوتاس سنويًا.
هذا المشروع في حد ذاته ليس «مشروع حيفا»
وهذه نقطة يجب عدم تجاهلها
لكن عندما ننظر إلى الخريطة كاملة نجد الأردن في نقطة يمكن أن تتقاطع فيها عدة شبكات مستقبلية
السعودية
العراق
سوريا
الخليج
العقبة
المتوسط
وهنا تتحول الجغرافيا الأردنية إلى قيمة استراتيجية تتجاوز حدود الاقتصاد المحلي
العراق يبني الطريق الآخر
في الجهة المقابلة هناك مشروع قد يكون من أكثر المشاريع أهمية في إعادة تشكيل المنطقة
طريق التنمية العراقي
المشروع يربط ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق بالحدود التركية عبر نحو 1200 كيلومتر من الطرق والسكك
ويهدف إلى نقل البضائع من الخليج وآسيا إلى تركيا وأوروبا. وقد دعمت تركيا رسميًا المشروع كما وقعت
العراق وتركيا وقطر والإمارات مذكرة رباعية للتعاون فيه عام 2024.
هنا يظهر بوضوح أننا لسنا أمام طريق واحد
بل أمام تنافس جغرافي على الشرق الأوسط
هناك مسار يريد تحويل الخليج إلى المتوسط عبر السعودية والأردن ثم إسرائيل
وهناك مسار عراقي يريد تحويل الخليج إلى تركيا وأوروبا عبر العراق
وهناك شبكات خليجية وطنية وإقليمية تبني بدائل أخرى
ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت الممرات اليوم شبيهة بخطوط الجبهة
لأن الطريق الذي يفوز في النهاية لا يربح رسوم عبور فقط
بل يربح نفوذًا سياسيًا طويل المدى
كركوك ـ حيفا ليست أسطورة لكن ليست مشروعًا جديدًا
من أكثر الملفات التي تستخدم في هذا السياق خط كركوك ـ حيفا
والحقيقة التاريخية واضحة
لقد كان هناك بالفعل خط أنابيب ينقل النفط من كركوك إلى ميناء حيفا وقد افتتح خط العراق النفطي إلى حيفا
رسميًا في يناير 1935 وفق سجلات المكتبة البريطانية. كما تظهر خرائط بريطانية تعود إلى ثلاثينيات القرن
العشرين خطوط الأنابيب المقترحة بين كركوك وحيفا وطرابلس في لبنان.
لكن ما يجب قوله بوضوح هو أن الحديث عن «عودة خط كركوك ـ حيفا» باعتباره مشروعًا قائمًا اليوم يحتاج
إلى دليل مستقل
فالخط التاريخي شيء والمشاريع الجديدة شيء آخر
لكن التاريخ نفسه يحمل رسالة مهمة
منذ عقود كانت الطاقة العراقية مرتبطة بمنافذ المتوسط
وهذا يفسر لماذا بقيت الجغرافيا بين العراق والأردن وسوريا وفلسطين ذات قيمة استراتيجية في حسابات الطاقة
أما «ممر داود» فهو أكثر المناطق غموضًا
هنا يجب أن نبتعد عن المبالغة
مصطلح «ممر داود» يستخدم في تحليلات سياسية وإعلامية لوصف تصور لربط إسرائيل بجنوب سوريا والمناطق الكردية في شمال شرق سوريا والعراق
لكن لا توجد وثيقة حكومية إسرائيلية منشورة تقدم مشروعًا نهائيًا بهذا الاسم ومسارًا محددًا وتمويلًا وجدولًا زمنيًا
وهذا لا يجعل الفكرة مستحيلة سياسيًا
لكنه يجعلها مختلفة جذريًا عن IMEC الذي يمتلك مذكرة رسمية معلنة
وهنا يجب أن يكون الخطاب العربي أكثر دقة
فالوثيقة الرسمية دليل
والتحليل السياسي تفسير
والنظرية شيء ثالث
وعندما تختلط المستويات الثلاثة تتحول السياسة إلى أسطورة
قناة بن غوريون بين الحقيقة والأسطورة
القصة نفسها تتكرر في الحديث عن «قناة بن غوريون»
هناك وثيقة أمريكية تاريخية حقيقية تعود إلى عام 1963 تدرس حفر قناة عبر النقب تربط خليج العقبة بالبحر المتوسط وتناقش بصورة نظرية استخدام التفجيرات النووية في أعمال الحفر
وجود الوثيقة حقيقة تاريخية
لكن الوثيقة لا تثبت وجود مشروع إسرائيلي معاصر يجري تنفيذه اليوم باسم «قناة بن غوريون»
وهذا التفريق ضروري
لأن وجود فكرة قديمة لا يعني أنها أصبحت مشروعًا سياسيًا قائمًا
لكن مجرد إعادة ظهور فكرة القناة في النقاشات الاستراتيجية المعاصرة يكشف أن الصراع على بدائل قناة السويس وعلى طرق نقل الطاقة والبضائع ليس جديدًا
وماذا تقول النصوص التوراتية؟
هنا تصبح المسألة أكثر حساسية
في سفر التكوين ترد صياغة لحدود تمتد من «نهر مصر» إلى «النهر العظيم الفرات» وفي سفر الخروج ورد وصف يمتد من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط ومن الصحراء إلى الفرات وفي سفر التثنية ويشوع تتكرر الإشارة إلى الفرات ضمن حدود الأرض في النصوص الكتابية.
هذه النصوص موجودة بالفعل
لكن تحويلها مباشرة إلى «خريطة إسرائيل الحديثة» ليس أمرًا تلقائيًا
فالحدود في النصوص التوراتية متعددة الصيغ والسياقات وليست خريطة سياسية حديثة مكتوبة بلغة الدول القومية المعاصرة
لكن الأهم من النص الديني ذاته أن الفكر السياسي الصهيوني أنتج بالفعل نصوصًا سياسية تتناول القوة والحدود والصراع
وهنا لا نحتاج إلى اختراع وثائق
الجدار الحديدي
في 1923 كتب زئيف جابوتنسكي مقاله الشهير الجدار الحديدي
والنص الأصلي محفوظ في أرشيف جابوتنسكي
ويشرح فيه أن قيام المشروع الصهيوني لن يتم من خلال التعويل على قبول العرب له بل من خلال بناء قوة تجعل المقاومة العربية عاجزة عن منعه قبل الوصول إلى تسوية سياسية.
ثم جاء عوديد يينون في 1982 بمقاله المعروف استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات المنشور في مجلة KIVUNIM التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية وطرح رؤية إقليمية تقوم على تفكك دول عربية وإعادة تشكيل موازين المنطقة.
لكن حتى هنا يجب أن يبقى العقل السياسي متيقظًا
مقال يينون ليس قرارًا حكوميًا إسرائيليًا
ولا توجد أدلة تسمح بتحويله وحده إلى «مخطط دولة» ممتد بلا انقطاع منذ 1982
لكنه وثيقة فكرية مهمة في دراسة بعض التيارات الصهيونية لأنها تكشف كيف نظر بعض الكُتّاب الإسرائيليين إلى تفكك الدول العربية باعتباره فرصة استراتيجية
وهذا بحد ذاته يستحق الدراسة
لماذا أصبح العرب مضطرين إلى كل هذه الشبكات؟
لأن المنطقة دخلت مرحلة لم يعد فيها الأمن منفصلًا عن التجارة
وما جرى خلال الأيام الأخيرة يقدم المثال الأكثر قسوة
فالهجمات على السعودية وضعت أمن النفط والنقل البحري في قلب الحرب
وتراجعت حركة الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب بصورة واضحة مع تصاعد العمليات العسكرية بحسب بيانات وتقارير الملاحة التي نقلتها رويترز في 17 سبتمبر 2026.
وفي الوقت نفسه تعرض خط الأنابيب السعودي الذي ينقل النفط عبر المملكة للتهديد والتعطيل
وهكذا يتضح معنى الممر البديل
البديل لا ينشأ لأن العالم يحب السكك الحديدية
بل لأن الدول والشركات تريد تقليل تعرض التجارة والطاقة لنقطة اختناق واحدة
ومن هنا يصبح السؤال
هل سيبحث العرب عن ممرات تحمي مصالحهم
أم سيتركون الآخرين يبنون الممرات ثم يدخلون إليها بشروط الآخرين؟
«نضع أيدينا بيد الشيطان»
هذه العبارة الصادمة تلخص المأزق السياسي الذي يواجه عددًا من الدول العربية لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى قاعدة لتفسير كل العلاقات العربية مع الغرب أو إسرائيل
فالدولة التي ترى خطر إيران أو الحوثيين قد تبحث عن حماية أمريكية
والدولة التي تريد ربط تجارتها بأوروبا قد تتعامل مع مشروع يمر عبر إسرائيل
والدولة التي تريد تنويع منافذها قد تستثمر في طريق عراقي أو خليجي
والدولة التي تريد حماية تجارتها البحرية قد تنضم إلى ترتيبات أمنية دولية
كل دولة تتحرك وفق حساب مصالحها
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح العرب مجرد مستخدمين لخرائط صنعها الآخرون
هنا تتحول الشراكة إلى تبعية محتملة
وتصبح الحاجة إلى الخارج جزءًا من بنية الأمن لا مجرد خيار مؤقت
وهذا هو السؤال العربي الحقيقي
ليس هل نتعاون مع الولايات المتحدة
ولا هل نتعامل مع إسرائيل
ولا هل نواجه إيران
بل
هل نملك نحن مشروعنا الإقليمي الذي يجعل الآخرين محتاجين إلينا كما نحن محتاجون إليهم؟
العرب كانوا يملكون الفكرة لكنهم لم يحولوا الخريطة إلى قوة
من المؤلم في هذا الملف أن العرب لم يفتقروا إلى الرؤية
اتفاقية شبكة السكك الحديدية العربية في المشرق موجودة منذ 2003
والوثيقة الأممية نفسها قالت إن الهدف هو تعزيز التجارة والسياحة والتكامل العربي وربط المشرق بشبكات العالم.
ولكن الفرق بين أن تملك خريطة وأن تملك مشروعًا استراتيجيًا يكمن في التمويل والتنفيذ والأمن والاستمرارية
وهذا ما نجحت مشاريع أخرى في فهمه
الممر ليس سكة فقط
الممر منظومة سياسية
السكك تحتاج إلى أمن
الميناء يحتاج إلى سوق
السوق يحتاج إلى طاقة
الطاقة تحتاج إلى خطوط نقل
خطوط النقل تحتاج إلى حماية
والشبكة كلها تحتاج إلى قرار سياسي طويل الأمد
وهنا تتجاوز المسألة الاقتصاد لتصبح مشروع دولة ومشروع إقليم
من يملك الطريق يملك جزءًا من مستقبل المنطقة
الشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم قد لا يكون الشرق الأوسط الذي عرفناه
قد تصبح حيفا عقدة في شبكة آسيا ـ الخليج ـ المتوسط
وقد يصبح الفاو عقدة الخليج ـ العراق ـ تركيا ـ أوروبا
وقد تتحول العقبة إلى مركز لوجستي أكثر أهمية
وقد تتوسع شبكة السكك الخليجية
وقد تتصل السعودية والأردن والعراق وسوريا بطرق جديدة
وقد تتعثر بعض هذه المشاريع أو تتغير مساراتها
لكن الاتجاه العام واضح
الممرات أصبحت جزءًا من الصراع السياسي
وهنا يصبح الحوثي جزءًا من الصورة بطريقة تتجاوز اليمن
لأن السيطرة على باب المندب تعني التأثير في أحد أبواب النظام التجاري العالمي
ولأن تهديد مكة، بحسب الإعلان السعودي الأخير، يضيف بُعدًا دينيًا وسياديًا بالغ الحساسية إلى الصراع.
وفي المقابل فإن الصراع على الممرات لا يعني أن كل مشروع يمر عبر إسرائيل هو مؤامرة إسرائيلية
ولا يعني أن كل مشروع عراقي أو خليجي هو مشروع مضاد لإسرائيل
الشرق الأوسط أكثر تعقيدًا من ذلك
إنه سوق تتصارع داخله الدول والشركات والقوى الكبرى والجماعات المسلحة على الجغرافيا نفسها
وهذا هو جوهر المسألة
أخطر ما في الشرق الأوسط الجديد
أن العرب قد يجدون أنفسهم أمام شبكة من المشاريع التي تحدد موقعهم قبل أن يحددوا هم موقعهم
قد يكون الطريق جاهزًا
والميناء جاهزًا
والتمويل جاهزًا
والتحالف الأمني جاهزًا
وعندها لا يبقى أمام الدولة سوى أن تقرر بأي شبكة ستلتحق
لكن الدولة الأقوى استراتيجيًا هي التي لا تسأل فقط «إلى أين يصل الطريق؟»
بل تسأل
من يملك الطريق ومن يملك مفاتيحه ومن يستطيع إغلاقه ومن يحدد رسومه ومن يحميه ومن يقرر من يدخل إليه؟
هذه هي السياسة الحقيقية للممرات
ولهذا فإن «الشرق الأوسط الجديد» ليس فقط حدودًا جديدة ولا دولًا جديدة
إنه اقتصاد جيوسياسي جديد
وهو شرق أوسط تحدد فيه الموانئ مواقع النفوذ كما تحددها الجيوش
وتحدد فيه السكك علاقات الدول كما تحددها المعاهدات
وتحدد فيه الأنابيب موازين الطاقة كما تحددها حقول النفط
وتحدد فيه الكابلات الرقمية مستقبل الاقتصاد كما كانت القواعد العسكرية تحدد مستقبل الحرب في القرن الماضي
أما السؤال العربي الذي لا يمكن تأجيله فهو أبسط من كل هذه الخرائط وأخطر منها
هل نصنع نحن الطريق أم نكتفي بأن نكون جزءًا من طرق يصنعها الآخرون؟
لأن من لا يملك طريقه
قد يجد نفسه في النهاية مضطرًا إلى المرور في طريق غيره
وعندها تصبح اليد التي نضعها في يد «الشيطان» ليست خيارًا استراتيجيًا مؤقتًا
بل نتيجة طبيعية لغياب المشروع العربي الذي يجعل للعرب طريقًا آخر
